مدار النقد

عبد الكريم سليم علي

Hamurabi612@yahoo.com

 

 

" هل بالامكان ان نقف غير مكترثين بنشاط المدن الكبرى المسعور بسيكولوجية الحياة الليلية الجديدة ، بالخليع ، بالبغي ، بالشقاوة ... سوف نشيد بالعدوان والسهاد المحموم والخطوات الوثابة والقفزات البهلوانية ... سوف نعلن ان بهاء العالم قد ازدان بجمال جديد وهو جمال السرعة " . بمثل هذه الكلمات استهل الشاعر الإيطالي فيليبو توماس مارينيتي عام 1909 بيانه في صحيفة لافيكارو ليبشر بولادة  فن المستقبل ونهاية الماضي . كانت هذه الحركة أدبية في أولها ثم ما لبث إن صدر بعد عام في ميلانو بيان للرسم المستقبلي وقع عليه خمسة من الفنانين الايطاليين الشبان : امبرتو بوتشيوني (1882-1916) ، وكارلو كاري(1887-1966) ، ولويجي روسولو(1885-1947) ، وجيا كومو بالا (1871-1958)، وجينوسيفيريني (1883-).

لخص المستقبليون ما أرادوا قوله في بياناتهم ووثائقهم ومعارضهم اللاحقة في ايطاليا  وفرنسا ومن ثم في روسيا ،  إذ دعوا إلى التخلص من عبء الماضي وتكريس عملهم للاحتفاء بالوجود الحضري المعاصر  على نحو جديد ، لقد هاجموا بعنف الإعجاب بالرسوم والمعايير والأشياء القديمة وكل ما يمثله أو يدين به الماضي . ومجدوا الحركة الهجومية والخطوة السريعة مؤكدين في دعوتهم على مفهومي الدينامية والتزامن  بوصفهما عنصرين أساسيين يعبر بهما عن جمال الحركة وتمردوا على كلمتي  الانسجام والذوق السليم  إذ يرون فيهما تهديدا صريحا لأعمال

رائعة لرامبراندت وغويا وفوسلي ، كما انهم عدوا تهمة الجنون لقبا جميلا ومشرفا على اعتبار انها تهمة استخدمت لكم أفواه المبدعين .

 

تداخلت في ناظرتهم خطوط فريدة من التقصي الفني تجلت بتمثيل الحركة واستنباط معادل صوري للماكثة ، وتوجه أنعش من خلاله الاهتمام مجددا باللون ، يفيد بوتشيوني في بيان الرسامين المستقبليين عام 1910 مرددا صدى بيان مارينيتي " إننا نعلن انه لايمكن إن يكون ثمة فن عصري إلا إذا اعتمد على احساس عصري محض ، فالفن والاحساس لفظان لاينفصمان ... والحركة التي نسعى إلى تصويرها على لوحاتنا لن تكزن مجمدة... ان كل شيء في حالة جريان وتحول سريع " .

لقد اهتم الفن المستقبلي بتجزئة الحركة ووضع مظاهرها جنبا إلى جنب ليقدموا خطوطا متقاطعة ملتحمة متآزرة عبر سياق لوني مميز يظهر بالتالي تصارع القوى  المتعارضة في اللوحة . ان تحطيم الأجسام في الرسم المستقبلي والبحث في أجزائها  هدف الكشف عن خطوط القوى الكامنة في حركتها ،   وتمديد أو تكثيره في اتجاه هذه الخطوط .

      وعلى الرغم من إن حماس المستقبليون للماكنة والحركة ، وإقرار بيانهم إن العلم غير البشرية ، وان إنسان عصر الماكنة سيشبه المخترعات الآلية التي يعيش وسطها  وربما يتبنى إيقاعاتها ويشترك في أسرارها ، إلا انهم لم يتجاهلوا في ثورتهم الامكانات الروحية للجنس البشري ، وأكدوا على فعل الإبداع الحدسي وكأنه كتابة اوتوماتيكية تقريبا ، اذ يبدو ان اليد التي تكتب تنفصل عن الجسد وتأخذ بالابتعاد المستقل عن الدماغ .

     وافادت بيانات المستقبليون ، ان بعد تحرير الموضوع لابد من التمرد على اللغة وفك قيود مساراتها التقليدية ، ولابد لها ان تستهدف التعبير عن لاانسانية الأشياء المادية ، ولايمكن ذلك – بحسب رؤيتهم – الاعن طريق الشعر اللانحوي واللامنطقي الذي له قدرة اختراق جوهر المادة محطما الحواجز التي تفصله عن النفس . لقد كان للمستقبليون احساس قوي بالعيوب الاعتباطية التي كانت قد رسخت باللغة ، وكانوا يبحثون عن طرق للتهرب من خاصيتها الخطية والزمنية والتقليدية .

     وللحركة المستقبلية وضع خاص في حوارها مع المذاهب الأخرى فقد اثار بيان مارينيتي الموجه من ايطاليا الى العالم كله الكثير من النقاش المرير خارج ايطاليا ، اذ اختلف فيه العديد ، وبسرعة اكتسبت تلك المنازعات الطابع الوطني وبخاصة في السنوات الأولى من الحرب العالمية الأولى ، جاء في بيان مارينيتي " .... سوف نمجد الحرب – واهبة الصحة – والروح العسكرية الوطنية ، وفن الفوضى الهدام والأفكار التي تقتل .... فهلموا يا مضرمي  الحرائق أشعلوا النيران في المكتبات .... وحولوا مياه الفيضانات الى المتاحف ، ودعوا الآيات الشهيرة تطفوا ، إننا لنتحدى نجوم السماء " . أدى ذلك الاتجاه في الحركة المستقبلية إلى سهولة الخلط بينها وبين الفاشية اذ تؤكد مفردات عديدة في بياناتهم تورطهم في

اللعبة السياسية ، فتارة يعلنون تأييدهم للحرب الليبية ، وتارة يرددون إن كلمة ايطاليا يجب ان تسيطر على كلمة حرية . وكانت القاعدة الفكرية التي استندت عليها تلك التوجهات  معداتهم للاشتراكية والكنيسة . بل ذهبت الحركة إلى ابعد من ذلك  عندما اشترك رواد المستقبلية الإيطالية في تأسيس جمعية المحاربين الفاشيين التي تطورت الى الحزب الفاشي الأصلي .

 

وعلى نحو مماثل تميزت المستقبلية الروسية ، التي نظرت الى البلشيفية على انها حركة تشبه حركتهم من حيث انها تسعى الى ألامساك بالمستقبل وربطه بعجلة الحاضر ذي الإيقاع البطيء والمتثاقل ، وتطهير الكلمة من طلاء التراث الأدبي العتيق ، لقد سخر مايكوفسكي الموهوب كل طاقاته التي لاتعرف التعب ونظرياته في علم الجمال الديالكتيكي المتطور في خدمة البلاشفة ، ففي قصيدته تعليمات إلى جيش الفن  يدعو المستقبليين الى الالتحاق بالبلاشفة وتوحيد جهودهم السياسية بغية دحر قوى الماضي ، بحسب رأيه .

     ان المصاهرة بين المستقبلية الايطالية والفاشية ، وبين المستقبلية الروسية والبلشيفية كانت عقبة احالت دون ديمومتها ، فضلا عن فعل الحرب التي كانت لهم بالمرصاد فتشظى فنانوها ولم تستطع هذه الجماعات من إعادة تشكيل نفسها وبخاصة بعد مقتل مارينيتي مصدر ديناميتها عام 1916 بحادث ، في حين احالت نكبة مايكوفسكي وانتحاره عام 1930 من الاستمرار بتقديم مواهبه المتعددة . كما ان ظهور حركات فنية وأدبية كانت أكثر إثارة وتقبلا من الجمهور كالحركة الدادائية  ، والمذهب السريالي كل ذلك أحال دون ديمومة الفن المستقبلي على نحو ما أصبح .