رسّام سويسريّ المولد و فنّان تصويريّ ذو خصائص متفردة ,
غزير الأنتاج , يمتلك طاقة على الأبتكارهائلةً ، اعماله تتصف
بالظّرافة والمعالجات اللونية البراقّة ، لوحات مليئة
بالتّلميحات إلى أجواء الأحلام والموسيقى و الشّعر, ولد بول
كلي , في 18 ديسمبر, 1879 , وتوفي في 29 يونيو, 1940 . كان
بول كلي انطوائيًّا و قضى معظم مرحلة بلوغه في ألمانيا حتّى
طُرِدَ من قبل النّازيّين في عام 1933 .
رسام عصي على التّصنيف فيحتمل ان يصنف ضمن اي من اتجاهات
الفن المعروفة : الفنّ البدائيّ,
السّرياليّة,
التّكعيبيّة,
و فنّ الأطفال .
بول كلي كان سليل عائلة موسيقيّة و هو نفسه عازف أيضا، الأ
أنه اختار دراسة الفنّ و ليس الموسيقى ، بعد تردّد كبير, و
انتسب لأكاديميّة ميونيخ في عام 1900 . وسافر الى إيطاليا (
1901-02 ), للأطلاع على الفن المسيحيّ و الفنّ البيزنطيّ .
أعمال كلي المبكّرة غالبًا ماكانت تنتمي الى النقش و رسوم
الحبر . وكانت حصيلة درّاسة نقدية , وعشق للعناصر الخياليّة
وتكشف عن تأثربفرانثيسكو
دي جويا و جيمس إنسور, وهما من الّذين أعجب كلي
بهما.
بعد زواجه في عام 1906 من ليلي ستمبف عازفة البيانو, استقرّ
كلي في ميونيخ، التي كانت مركزا مهماّ للفنّ الطّليعيّ فعرض
فيها للمرة الأولى نفس تلك السّنة، كما ربطته صداقة منذ ذلك
الوقت مع الرّسّامين فاسلي كاندينسكي و أوغست ماك فانظم إلى
جماعة (الفارس الأزرق ), وهي جماعة تعبيرية ساهمت كثيرًا في
تطوّر الفنّ التّجريديّ .
كانت نقطة التّحوّل في مسيرة كلي زيارته لتونس مع ماك و لويس
موليت في عام 1914 ، فلقد ادهشته الأجواء المشمسة هناك ،
فسجل انطباعاته عنها بقوله : لقد تملّكني اللّون , فاستجبت
له بكل حواسي , وعرفت أنه قد استحوذ علي الى الأبد . ذلك هو
مغزى هذه اللّحظة الميمونة . اللّون و أنا واحد . أنا رسّام
.
كما استحوذت عليه ايضا الأبداعات من المربّعات المبهجة
للفسيفساء التي رآها في أيطاليا والوان القباب. فكانت تلك
الأشكال والرموز منهلا استمد منه كلي مادته و علاماته ،
معينا َ من العقل الباطن. كتب ذات مرة (بأن الفن لا ينسخ
المرئيّ, بل يخلق ذلك المرئي) , و تابع هذا الهدف في تشكيلة
واسعة بشكل مذهل . الخطّ و اللّون يتفوّقان عند بول كلي
بشكل يذكر بأعمال تعكس تأثيرات ماشاهده من اعمال الموزايك و
غيرها .
عمل بول كلي استاذا في مدرسة البوهوس بعد الحرب العالميّة
الأولى, حيث أيضًا كان كاندينسكي صديقه عضوا فيها وكانت لهما
مساهمات مهمة في اعداد مناهج التعليم فيها عام 1925
بكتابةعدّة مقالات مهمّة تعكس المواقف الشخصية الخاصّة عن
نظريّة الفنّ, حاول كلي تعريف و تحليل العناصر البصريّة
الرّئيسيّة و الطّرق التي يمكن أن تُسْتَعمل فيها .
في عام 1931 بدأ التّعليم في أكاديميّة دسيلدورف, لكنه
طُرِدَ من قبل النّازيّين الذين اعتبروا أعماله من صنف الفن
المنحلّ . وفي عام 1933, ذهب كلي+ إلى سويسرا وأصيب هناك
بتصلّب جلديّ لمرض الكولاجين التّعجيزيّ الذي أجبره أن يطوّر
أسلوبًا أبسط و قتله في النّهاية . تعطي الأعمال المتأخّرة,
المميّزة بالخطوط السّوداء الكثيرة, انطباعًا سيّئًا عن
الموت و الحرب.
دراسات كلي في المجالات المتعلّقة باّلتاريخ الطّبيعيّ و
التّشريح و الأنثربولوجيا المقارنة قد أكسبته إيمانا بأن
الطّبيعة قد تمُيِّزَتْ بأمكانية تبديل و حركة وحدات بناء
اساسيّة . فأراد تحقيق طريقة مشابهة للعمل في الصّورة
بالأتساق مع اهتمامه بالعالم الطّبيعيّ . كلي أيضًا تحوّل
إلى مزج نظريات اللّون و الموسيقى ، فبينما كان يعمل على
أساس وحدات البناء المأخوذ من الطّبيعة، حاول خلق الارتجال
الخطّي الذي يشبّهه بلحن العمل . طوّر كلي نظامًا من
الأنظّمة الملوّنة التي فيها تُصُوِّرفيها امتلاك كلّ ألوان
السّلسلة قدرة على التّحرّك حول محور مركزيّ مسيطر بالألوان
الصبغية الثّلاثة : الأحمر, الأصفر والأزرق .
ابتداء من 1923 أنجز سلسلةً من الأبنية الملوّنة الخياليّة
التي أسماها لعبا سحريّة حاول فيها وضع نظريّاته موضع
التطبيق ، فقادته هذه السّلسلة إلى نتيجة في عام 1932 ان
يكون لكلّ عنصر في الصّورة علاقة بموضوع التكوين المركب
فماثل تعدّد النّغمات كتزامن عدّة موضوعات مستقلّة .الإضافة
لذلك كان كلّ عنصر فنّيّ فيها خلاصة لعدّة أفكار و تجارب
شخصيّة . على سبيل المثال . يوضح العنصر التّصويريّ البوّابة
لصعود بارناسوس, بيت أبوللو و الوحي, و أيضًا قد يشير إلى
الأهرام التي رآها كلي في عام 1928, و إلى جبل قرب بيت كلي .
السّمك الذّهبيّ
رغم حجم صوره الصّغير فلم يؤثّر ذلك على وفرة الرؤى التي
تستوطنها ، ان لوحته السمك الذهبي تعطي احساسا بانزلاق
السمكات خلال مملكة حرّيّتها تحت الماء, سمك صغير يبدو لامعا
خلال الماء ، سمك ساحر بالعلامات السّحريّة على جسمه,
الزّعانف القرمزيّة و زهرة قرنفليّة كبيرة لعين . يتدلّى
بفخامة في السحر الكحليّ الغامق للبحر المضيء بصور الخصوبة
السّرّيّة . يرسم السّمك الكبير مغزى غموض عالمه السّرّيّ .
قد لا نفهم المغزى , لكنه هناك : البحر و مخلوقاته تأخذ
أماكنها في الثّناء العظيم, كائنات ضئيلة لكنهاّ أيضًا
كبّرت بهذا الوجود المشرق . هذا النّبل الهادئ, المشرق,
الوحدة . النّقطة الجوهرية : الكلّ حقيقيّ لكلي نفسه . سواء
عرفه عالم الفنّ أو لا انه السّمك الذّهبيّ.
صور الموت و الخوف
يلون كلي بسرعة و ثقة شديدين ألعابه السّحريّة الدّائمة و
شعره . تعطي لوحته (ديانا في ريح الخريف 1934) تلميحًا لمعنى
الحركة ، طيران الأوراق في نسيم رطب هي , في نفس الوقت,
الرّبّة الطّاهرة , وهي الآن أيضًا امرأة أنيقة من دائرة كلي
الاجتماعيّة . يتّخذ الشّكل استقراره في عيوننا بعد ان اتخذت
الأشكال توازنها الجميل الذي تستقر فيه . هذا العمل شاحب
بغرابة , وهذا الشّحوب الرّقيق له صلة وثيقة بالموضوع : وهو
يوحي و يلمّح أن ديانا تقع تحت تأثير هذا الوضع الخريفيّ .
الموت والنار
أحد صور كلي الأخيرة ، لون الجمجمة الأبيض الذي يلمع وهو
يحتلّ المركز, يبدو الموت,بتشكيل ملامح وجهه ، وهو يمشي رجلا
ضئيلا نحو الموت, صدره تعرّى قلبه, ووجهه يغمرهما حزن رتيب.
الموت هو الحقيقته الوحيدة, تنظر ملامح وجهه هناك نحو القبر
. لكنّ هناك نار في هذه الصّورة أيضًا : الشمس مشرقة ,
فالغروب لم يحن بعد, يستند على الأرض التي هي أيضًا يد الموت
. الهواء العلويّ مضاء بالنّار، ورغم انه لا يوازي فعلا
مضادا للموت ، لكنّ تعاطفا أعمق يشدهما معا . يمشي الرّجل
إلى الأمام بشجاعة, في بهجة الضّوء والنّسيم, وأجواء الموت
الرّماديةّ.