مدار النقد

 

 

 

  خالد خضير

     

Khalidkhudhayer56@yahoo.com

 

                                        
يفارق الرسامون المحدثون سابقيهم من الرسامين برغبة عارمة في خرق أنساق الفن التشكيلي والاشتغال على التخوم التي تقع بين تلك الانساق المتجاورة , فقد قدم الرسام جبار عبد الرضا ( من البصرة ) مؤخراً تجربة أطلعنا عليها , كانت منجزاً يحار المتلقي في أجناسيته , ان كان ينتمي الى الرسم  او الى النحت , فهو منجز يتوفر على اهم سمات الرسم باستخدام الالوان على سطح مستو , كما يتوفر عن اهم سمات النحت وهو التجسيم والمادة والفضاء , حيث تكون اللوحة نحتاً يستقر احد وجوهه الى الحائط بدل ان يستقر على الارض , وهذه تجربة بدأت تظهر كثيراً في نتاجات العديد من الرسامين فقد عرضت هناء مال الله اعمالاً فيها قدر كبير من التجسيم وقدمتها في مناسبات عديدة منها مرة في المتحف الوطني للفن الحديث في العاصمة الاردنية عام 2003 في معرض تواشجات بين شاعر ورسامين , وايضاً شاهدت في زيارة اخيرة قمت بها مع الرسام هاشم تايه الى شقة الرسام هاشم حنون في جبل لويبدة في العاصمة الاردنية, شاهدت اعمالاً عرضها علينا وهي مركبة من مكعبات فوق بعضها , وقد تحولت وجوهها الى ( لوحات ) وبذلك فهي تتشابه تماماً مع عمل ( مثلث الفاو ) المجسم للراحل شاكر حسن آل سعيد الذي كان من

مقتنيات مركز الفنون .

 

لقد اتجه رسامون كثيرون نحو التخوم المشتركة والفاصلة في ذات الوقت , بين الرسم والخط , فكانت التجربة الحروفية رائدة في هذا الاتجاه , وقد وصفتها مرة بانها بقايا حلم يوتوبي في التوجه نحو فن عربي , او قل (تجريدية عربية ) هذه المرة , وكذلك شاهدت أيام إقامتي في العاصمة الاردنية ايضاً العديد من محاولات الرسامين لانجاز ( لوحات – منحوتات – غرف ) تضم داخلها عناصر شتى ويكون  المتلقي حراً في التجوال داخل الغرف وبين عناصر العمل المتناثرة واختيار المكان وزاوية النظر داخل الفضاء ( = الغرفة = العمل الفني ) , وايضاً تجربة ( دفاتر الرسم ) التي تستعير من فن الخط شكل ( السطح ) وهو دفتر بدفتين تشكلان ( مدونة ) خطية اكثر مما تشكلان لوحة تقليدية , كما ان محافظة هؤلاء لمسافة تبعد اشكالها عن امكانية قراءة تلك المدونات يجعلها بعيدة عن نسق ( الكتابة ) المقروءة للخطاطين التقليدين التي تنتمي للخط , وكان اهم اؤلئك الذين يطمحون الى انجاز لوحاتهم بشكل ( مدونات ) غير مقروءة الرسامة الاميرة الاردنية وجدان علي والرسام أتيل عدنان , وهي تجارب تستعير اشكال الحرف العربي اليدوي واشكال الاوفاق والادعية ( كوحدات صغرى ) في بناء اللوحة . لقد قدم الراحل شاكر حسن آل سعيد جهداً تنظيرياً في مجال البعد الواحد باعتباره فناً يشكل فيه الخط الناشئ من حركة النقطة , العنصر المكون للوحة , بينما ظل تلاميذه او معاصروه الاصغر منه عمراً من السائرين في ركاب جماعة بغداد للفن الحديث اوفياء للحرف باعتباره الوجه الحداثي ( التجريدي ) لجماعة بغداد بعد ان كفت ( ايديولوجيتها ) عن بريقها السابق واكتفى الرسم بحدود لا تتعدى السطح التصويري وشيئية المادة التي يشتغل عليها بعيداً عن ( المهمات ) الجسيمة التي كانت جماعة بغداد تضعها على عاتق الفنان !...

 

هل يخضع الرسام ( = الخطاط ! ) محمد الشمري لهذه الرؤية ؟ حين دخلت موقع الرسام محمد الشمري على شبكة الانترنيت www.shammarey.com  شعرت لاول وهلة وكأني أدخل رواق أحد النساخين , بحبره الفاحم الاسود وأوراقه القديمة الصفراء , وهو يعرض مجموعة من دفاتر الرسم التي تلعب فيها ايقونات الاوفاق والتعاويذ والحروف والمخطوطات القديمة وحدات صغرى في تشكيل تجربته الفنية , فهيمنت علي في كل مشاهدة لدفاتر الرسم التي يعرضها فكرة الناقد ف  و ق ي و س في ( موت الرسم ) على يد هؤلاء الرسامين الذين يخوضون في التخوم , فقد كان ( فعل الرسم ) عند ف  و ق ي و س  يعني الممارسة التقليدية في الرسم ( painting ) بوضع اللون بفرشاة على سطح مهيأ لذلك بينما ينتقل هؤلاء الرسامون من هذه الفعالية التقليدية الى ممارسات مجاروة تنتج كذلك سطحاً ملوناً بآليات أخرى ومواد غير المواد التقليدية لفن الرسم , وهو ما تتصف به تجربة محمد الشمري , فهيمن أدوات ومواد الرسم غير التقليدية وتنتج أشكالاً غير تقليدية هي الاخرى , بمعنى انها لا تنتمي تماماً لنسق الرسم بل تكتفي بالوقوف في التخوم التي تربط الرسم بالخط , أشكالاً ذات حواف صلبة تعوم في خلفية زلالية تتراءى من خلفها آثار سطح اللوحة , وهو ما بدأ يطغى على لوحات ينجزها خطاطون محدثون ايرانيون بدأت كمخطوطات كانت تكف عن كونها نصوصاً تبث معانٍ واضحة , وتتجه لتكون لوحات للرسامين الذين يشتغلون في التخوم التي تجمع فني الرسم والخط