|
بقلم :سعد هادي
عاصم حافظ :
أمضي و تبقى زهرة في أثري
في عام 1931 أرسلت الحكومة العراقية مبعوثها الأول
( اكرم شكري ) إلى باريس لدراسة الرسم وتحددت بذلك
نقطة فاصلة بين مرحلتين في تاريخ الفن العراقي :
-
مرحلة الجهود الفردية الأولى التي تخلفت عن بقايا
العهد العثماني الطويل .
-
ثم مرحلة الوعي بالذات والرغبة في التحديث التي
تجسدت خلال سنوات قليلة تالية في حركة اجتماعية
ناهضة رافقتها أو تولدت عنها ظواهر ثقافية وحضارية
لعل الرسم أبرزها.
ولكن قبل ذلك بثلاث سنوات كان رسام عراقي شاب
(ولد عام 1886) هو عاصم حافظ قد سافر إلى باريس
أيضا ليدرس الرسم على حسابه الخاص في مدرسة يديرها
أستاذ اسمه (انطوان رينولت) ظل يحمل له طوال حياته
عرفانا بالجميل و يتحدث بإعجاب عن طريقته في
التدريس .
كان هذا الرسام الشاب ضابطا في الجيش العثماني
استقال من وظيفته بعد احتلال بريطانيا للعراق
واتجه إلى التصوير وتعليم الرسم ومارس في الوقت
ذاته العديد من المهن .
كانت حياته سلسلة متداخلة من القواعد و الأصول
وحتى الرسم موهبته الأساسية كان نتاجا لقاعدة
عسكرية عثمانية تفيد بان معرفة الرسم بالنسبة
للضابط شرط أساس لنجاحه لذا كان تدريس الرسم
إجباريا في المعاهد العسكرية العثمانية وقد يفسر
لنا ذلك إن اغلب الرسامين العراقيين الأوائل إن لم
يكن جميعهم من الضباط الذين درسوا أو عملوا في
الأستانة وغيرها من حواضر الدولة العثمانية :(عبد
القادر رسام ، محمد سليم ، محمد صالح زكي وغيرهم)
.
أما كتابه الوحيد الذي ألفه (وطبع في الثلاثينات
على الأرجح إذ يرد على غلاف طبعته الوحيدة تاريخان
مختلفان 1942و1931) فكان عنوانه : دروس الرسم
للتطبيق على الطبيعة ويبحث في قواعد المنظور
بشكلها الصارم المتعارف عليه والكتاب عموما هو أول
كتاب يختص بالرسم تم طبعه في العراق ويكتسب أهميته
من ذلك ويرد في مقدمته ما يلي :
( ما دفعني لمباشرة هذه الرسالة هي قضية انحطاط
هذا الفن الجليل في بيئتنا و البيئات المجاورة لنا
حيث يندر وجود رسالة في الرسم …… فرجعت إلى آثار
بعض أساتذة الغرب وقد ذكرت البعض منهم وانتقيت
منها ما خلته ضروريا و موافقا لمحيطنا ) .
ولعل في هذه المقدمة شرح موجز ودقيق لمنهج الرعيل
الأول من المثقفين في انتقاء القيم التحديثية
والتنويرية في مجتمع مرت عليه قرون طويلة من
الظلمة و السكون إلى جانب كونها إشارة مبكرة لما
استطاع الرسم العراقي خلقه وتطويره من قيم معرفية
وصياغات اسلوبية في النصف الثاني من الأربعينيات
وطوال الخمسينيات وكذلك ما حققه بما يشبه المعجزة
من ارتباط بمنطق العصر وظواهره دون التخلي عن
الجذور وشروط المحلية وعناصر المحيط وتأثيراته .
وطوال حياته بعد عودته من باريس ظل عاصم حافظ
يعلـّم القواعد : قواعد الرسم وقواعد اللغة
الفرنسية التي كان ضليعا بها وقواعد اللغة العربية
التي تعلمها من علماء الموصل حيث ولد ولعل هذه
القواعد قد ألقت بظلالها الثقيلة على ما أنتجه من
رسوم في حياته الطويلة التي امتدت لما يقرب من
90عاماً ففي رسومه هذه يتجلى مبدأ محاكاة الطبيعة
بوضوح ، الطبيعة وحدها لا الإنسان ، إذ انه رغم
نزوعه العصري وارتباطه بمعطيات الفن الأوربي كان
يؤمن بفكرة محافظة تقول بان رسم الإنسان حرام .
ولكن بينما انشغل فنانو العصور الوسطى العرب و
أسلافهم الذين وقعوا مرغمين تحت تأثير هذه الفكرة
وطوروا رسومهم باتجاهات زخرفية وخطية وأوصلوها إلى
مدارج جمالية إعجازية يتحدث عنها مؤرخو الفن كنمطٍ
فريدٍ من الرسم تتميز بها اتجاهات الفن الإسلامي
وحدها ، كان عاصم حافظ يتوغل في الطبيعة المرئية
الخالية من الإنسان ويعالج مظاهرها بنزوع صوفي
وحين ننظر إلى رسومه الآن يدهشنا ذلك الصفاء وذلك
التماهي الغريب مع الأشياء ومكونات الطبيعة . انه
يلقي على عناصر المشهد هدوءاً ويتعامل معها بحذر و
رقة حتى لكأنه (يؤنسن) ما يراه ليعوض عن امتناعه
عن تصوير الإنسان وفي ذلك تتجلى ميزته بين معاصريه
، انه برأيي النموذج الأول للرسام المفكر الذي
تطور فيما بعد في صياغات عديدة ساهمت في تطوير
أساليب الفنان العراقي وعبرت عن نزوعه الثقافي
واكتشافه إن الفن ليس حرفة أو عملا فرديا مجردا .
ومهما كانت علاقة اللوحة التي يرسمها عاصم حافظ
بالمصدر الذي نقلت عنه فأن شيئا من ذات الرسام لا
سبيل إلى تجاهله يلقي بظلاله على عناصرها المرسومة
. إن حذقه وحرصه على تطبيق قواعد الرسم الذهبية
ينعكسان على مرآة ذاته المفكرة التي تعنى بتحوير
المشهد المرسوم و هو في ذلك اقرب إلى الانطباعية
من سواها من مناهج الرسم الحديث دون أن يناقض ذلك
فكرة انه رسام واقعي
أساسا . ورغم انه شهد كافة التحولات الرئيسة في
الفن العراقي ورغم دراسته في باريس في فترة زمنية
تعج بالتناقضات ( مطلع الثلاثينات ) لم يفكر ولو
للحظة أن يهجر مبدأ وضوح الأشكال التي يرسمها ولا
التخلي عن محاولة نقلها بأقرب ما تكون عليه في
الواقع بل من الطريف أن نذكر هنا انه في معرضه
الاحتفالي الذي أقامته جمعية التشكيليين العراقيين
عام 1960 ادرج أسماء اللوحات التالية في محور – من
نسج الخيال – و هو أحد المحاور السبعة في المعرض :
( منظر زيتي ، الاوكالبتوس ، منظر مائي يمثل
الراين وصخوره )
فالخيال لديه هو أيضا استعادة الذاكرة لما رأته
العين من قبل وتجسيد للمظاهر الحسية في الوجود .
ظل عاصم حافظ يحاور أشكال الطبيعة وعناصر البيئة
المحيطة به وظل يرسم
طبيعته الصامتة التي تميز بها حتى سنوات متأخرة من
حياته ، ظل يعيش أحلام الماضي و يجسدها في أشعار
اتباعية تتحدث عن الموت و الرحيل و الذكرى :
امضي و تبقى زهرة في أثري
فيها لمن يعقل كل
العبر
ناقلا روح هذه الأشعار إلى رسومه ، معبرا ببساطة
وأناقة عن وحدة الوجود و تجلي عناصر الحياة
الأساسية في ارق الأشياء وأصغرها وكان يقول لمن
يسأله عن اتجاهه الفني :
-
دعني من التسميات ، تأثري ، تعبيري ، متوحش ،
فونيزم ، أنا واقعي فقط ، أنا كلاسيك واحب
الكلاسيك .
ولعله حين سافر عام 1956 إلى باريس مرة أخرى
ليلاحظ التطور العارض للتصوير كان كل شيء قد تغير
في عاصمة الاتجاهات الأساسية للفنون ، كان هو أيضا
قد تغير ، لم يكن بإمكانه أن يتعلم شيئا أو يعيد
النظر في ما تعلمه من قبل ولكن كانت أمامه 20 سنة
أخرى من الحياة ظل يرسم فيها بصمت وبطء ويقرض
أشعاراً و يتحدث لقلة ظلت إلى جانبه حتى أخريات
أيامه بمنطق الشيوخ وحكمتهم.
|