مدار النقد


الانطباعي والأكاديمي حافظ الدروبي

علي ابراهيم الدليمي


يعد التشكيلي (حافظ الدروبي- مواليد بغداد 1914- 1991) من الرواد البارزين الأوائل الذي أسس مع زملائه الآخرين اللبنة الاولى لصرح الفن التشكيلي المعاصر في العراق.

ولد الدروبي بمحلة الصدرية، ودرس في الكتاتيب على يد(ملا بهية) ثم (ملا محيي) في جامع الالفي، وحين دخل مدرسة باب الشيخ الابتدائية لم يكن هناك درس للرسم، وبانتقاله الى مدرسة(العونية) عام 1923 التقى هناك باستاذه الاول عبد الكريم محمود الذي علمه بعضاً من أوليات فن الرسم، ولحسن حظه ايضاً انه بعد انتقاله الى المرحلة المتوسطة يلتقي بمعلمه الثاني المعروف(شوكت الرسام) وكان هذا المدرس قد زار اوروبا، وجلب معه نماذج من التماثيل الفنية العالمية ليعلم طلابه بواسطتها اسلوب الرسم الأكاديمي من حيث النسب والتشريح، ودراسة المنظور، وهكذا كان حافظ الدروبي يواصل ويتابع أخبار الفن والفنانين البارزين حينذاك عن طريق مدرسة شوكت الرسام. وفي تلك المرحلة(المتوسطة) من دراسته شارك لأول مرة في المعرض الشامل للفن العراقي الذي اقيم على هامش المعرض الصناعي الزراعي في باب المعظم عام 1931 ، وفي هذا المعرض اشترك ايضاً الفنان جواد سليم الذي كان طالباً هو ايضاً، كما اطلع الدروبي على لوحتين للفنان أكرم شكري أرسلهما من انكلترا عندما كان يدرس الفن هناك، وقد حفزته الاعمال المعروضة في المعرض على المواظبة والاستمرار في الرسم.
ويتعرف الدروبي على جواد سليم وفائق حسن عن كثب من خلال معرض المدارس، وبعد تخرجه زاول التعليم في مدرسة التفيض الاهلية، وفيها تعرف على الفنان حسن سامي والد الفنان عطا صبري، وكان مدرساً للرسم في المدرسة نفسها.
عام 1932 اقام الدروبي معرضه الشخصي الأول. وفي عام 1936 أقام معرضه الآخر الذي ضم لوحات انطباعية متنوعة، وعلى أثر هذا المعرض حصل على زمالة لدراسة الرسم في ايطاليا مع الفنان عطا صبري.. وبعد ثلاث سنوات استعر لهيب الحرب العالمية الثانية ليعود الى بغداد. وفي شباط عام 1946 أرسل في بعثة الى انكلترا ضمته مع جواد سليم وعطا صبري، ليلتحق بكلية(كولد سمث) للفنون، وقد حاز على الجائزة الثانية في معرض الكلية، وحصل على دبلوم في التصميم ليعود الى بغداد عام 1950 ويعين مدرساً للرسم في كلية الآداب والعلوم، وكانت الكلية بحاجة الى استاذ رسم لمرسمها الجديد، وقد كلف بالاشراف على افتتاح مرسم الكلية، وكان ملتقى لمحبي الرسم، وقد تخرج فيه نخبة متميزة من الفنانين الذين كانت لهم بصماتهم الشاخصة في الحركة التشكيلية العراقية فيما بعد، ومنهم الفنانون ضياء العزاوي، ود. علاء بشير، وسعدي الكعبي، وياسين شاكر، وحياة جميل حافظ، ود. طارق مظلوم، وعبد الأمير القزاز، وآخرون.
بعد ذلك تم تأسيس(جماعة الانطباعيين) باشراف الدروبي.. وقد انضوى تحت لوائها طلاب مرسمه المذكورين منذ عام 1953 لغاية 1968 شهدت خلالها سلسلة من المعارض المتميزة.
وفي عام 1967 انتقل الدروبي الى التدريس في أكاديمية الفنون الجميلة، وشغل منصب العميد لمدة، ثم تحول الى تدريس الفن في لقبه العلمي ليصبح استاذ فن.
لقد حرص الفنان الدروبي، منذ بداية مسيرته الفنية الطويلة على الحفاظ على هوية اسلوبه المدرسي(الأكاديمي) فقد بدأ رساماً واقعياً مقتفياً المنهج المألوف في انتاج لوحات واقعية، مثل المنظور والأبعاد والظل والضوء.. وقد رسم عشرات الموضوعات الشعبية اليومية، والمشاهد البغدادية المتميزة، والمناظر الريفية الجميلة، فضلاً عن استلهامه عدة موضوعات تاريخية، وقد استمر هكذا حتى في مرحلته التكعيبية او التجريدية، وهي قليلة قياساً لما قدمه في الواقعية والانطباعية، فقد ظل محتفظاً بشرقية ألولنه ورمزيتها، وضرباته الفنية.
يلخص الناقد شاكر حسن آل سعيد تلك التجربة: ظل حافظ الدروبي في رؤيته الفنية يرى العالم بالعين المجردة ومن هنا فهو لم يتناول الأساليب الفنية باعتبارها (بنى) متكاملة بمقدار ما تناولها(بوصفها استعارات) او(مقتبسات). لقد نشأ رساماً طبيعياً يحاول ان يرى المرئيات في العالم كما هي، ثم تكاملت هذه الرؤية عنده حينما بدأ مهتماً بالألوان في رسمه، ولكنه حينما أخذ باستخدام الاسلوب التكعيبي لم يفعل على غرار التكعيبيين بتحويره للاشكال المرئية لكي يعبر عن البعد الرابع في الفن، بل اكتفى بتبسيط الأشكال ورسمها بالخطوط المستقيمة، وكذلك الحال حينما بدأ بتحوير الأشكال نفسها تحويراً تجريدياً يتسم بالايقاع الزخرفي.