|
مدار النقد
عالم الفنطازيا أو أوركسترا الصدف السعيدة
فؤاد ميرزاأمريكا
كان يخيل للإنسان الأول وهو يمعن النظر في نتوؤات جدران الكهوف وشقوقه بأنه يرى في تلك الأشكال الداكنة صور الحيوانات التي كان يصطادها طوال النهار، فيأخذ قطعة فحم من النار المتأججة أمامه ليرسم حول محيطها موضحاً خطوط الأجسام والأعناق والرؤوس والذيول. كان إنسان الكهف يستخدم قدرة التخيل (ميزته عن الحيوان) لإكمال ملامح الرسوم غير الواضحة أمامه، و هي نفس القدرة التي تفاجئ الصغار أمام جدران بيوتهم المليئة بالفجوات والخرابيش واللطخات، فيتعرفون بين رسومها على الحيوانات الفقرية والحيّات السامة والأشجار والعصافير وحتى على وجوه أصحابهم في المدرسة وخاصة وجوه اعدائهم التي تثير الضحك حقاً. أما الريح الخفيفة والتي تمط أجسام الغيوم الرمادية والأرجوانية والزرقاء والبيضاء كندف القطن فإنها تخلق بأعجوبة وبشكل متجدد أشكال المهرجين و وجوه الساسة وخراطيم الفيلة وأعناق الزرافات و أنوف الساحرات و النساء وخاصة البدينات و الرشيقات المتعريات منهن في خلوة أمام عيون العشاق المحتقنة. كل هذا يحدث لأن عملية التخيل والخلق مشتركة وواحدة عند جميع البشر. كان التشكيل بشكل عام يلاقي الإحترام والإعجاب و بحجم قدرات الفنان التقنية وإجادته للأدوات الكلاسيكية في التصميم والرسم والتلوين. ولم يحدث تغيير جذري في محاولة الفنانين لاستخدام تقنيات جديدة و لنظرة الناس للرسم بشكل عام الا على يد الدادئيين.ولدت الحركة الدادائية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ولادة قيصيرية شائهة نتيجة مخاض تجربة جحيم الحرب ووحشيتها. فلقد اعلن الدادئيون افلاس حضارتهم الأوربية، وانتزعوا ثقتهم من العقل والمنطق والتقاليد والمفاهيم القديمة لأنها جميعاً حسب وجهة نظرهم أوصلت الإنسان الأوربي الى افلاسه الروحي والعقلي، فهم يرون خلف قناع التحضر والتدين الأوربي الظاهريين وحش بدائي تقشعر لحقيقته المهولة وحوش الغاب. وظنوا بأن الإنسان سار في رحلته الطويلة ولكنه كان قد ضّل الطريق منذ الخطوة الأولى. أعلن الدادائيون بأنهم يأخذون على عاتقهم بناء حضارة انسانية جديدة عائدين بفكرهم الى مرحلة الصفر، أو الى تلك البداية التي كان قد تعلم منها إنسان الكهف الأول، معتمدين في ذلك على شيئين فقط، خيالهم المحض و قانون (الصدفة) المطلقة.لم تستطع هذه الحركة أن تمضي بعيداً أو أن تتطور لأنها كانت ذات طبيعة متطرفة وعدائية وتخريبية تتعمد استهداف ما تبقى من قيم التحضر والجمال التي كانت قوى المجتمع الأوربي القديم تحاول جمع اوصالها المقطعة والمهشمة بصعوبة. ولم يجتهد الدادائيون في البحث والتنقيب عن الأسباب الحقيقية لنشوب الحرب العالمية الأولى و سر وحشيتها، بل ألقوا باللائمة كلها على الحضارة الأوربية وقيمها فحمّلوها مسؤولية تشويه الحقيقة وتحويل البشر الى قطيع ماشية مسمنة مطيع ومسالم ظاهرياً لكنه يجر خلفه كيساً قديما مثقلا بالأحقاد البدائية. ووفق تفكيرهم و منهجهم الجديد اعتبروا مسؤليتهم وواجبهم الرئيس مفاجئة وإجفال الناس (القطيع) بنتاجهم الجديد في الأدب والفن، النتاج الذي لم يكن سوى إيماءات بدائية مرتجلة الغرض منها مفاجئة القناعات الايمانية والتقريرية والعقل الساكن. بدت الحركة الدادئية في الفن والأدب أشبه باللعب الطفولي العبثي، و سرعان ما تحولت الى حركة هامشية مهملة من قبل المجتمع الذي كان جادا بمحاولة بدأ عملية البناء والخلق.لكن الحق يقال، إذ لم تكن الحركة الدادائية سلبية بكليتها، فمن نتاجاتها الإيجابية والتي استفاد منها التشكيليون المساعدة على اكتشاف فعل (الصدفة) واعادة استخدامه في عملية الخلق التشكيلي كتقنية جديدة تعتمد الحظ والمخيلة الحرة السائبة بلارقابة. كان(ماكس ارنس) أحد أهم قادة الحركة الدادائية وهو نفسه سيؤسس الحركة السيريالية ويصبح أحد أعمدتها فيما بعد. لقد أستطاع ماكس إقناع الأخرين باستخدام تقنية الصدفة ومنهم صديقه سلفادور دالي الذي استخدمها في خلق عوالمه السيرالية المعقدة والمثيرة. كان سلفادور دالي يخفي آثار خريطة الخطوات التي صاحبت عملية ابداع لوحاته بعناية فائقة، معتبراً ذلك من أسرار المهنة وموحياً للمشاهد بان تفاصيل اللوحات بكليتها هي نتاج مخيلته الخصبة المتدفقة، بينما في حقيقية الأمر، الكثير من بدايات تلك الأعمال المعروفة تدين بالكثير لفعل الصدفة والذي استفاد منه دالي على خير وجه. و تكشف بعض تخطيطات دالي - خاصة تلك التي بدءها بنشر قطرات حبر ولطخات ألوان بلا تعيين على الورق- قدرة سلفدور دالي وعبقريته، ليس لأنه استطاع تحويل البقع الصماء الى اعمال فنية رائعة - لأنها حقا كذلك- بل لأنها أكثر طراوة وخصباً في توضيح معالم عملية الخلق لدى دالي و في إبداعه.إن ما فعله دالي، هو نفس ما كان يفعله انسان الكهف الأول: اكتشاف صور داخل أو حول اللطخات وقطرات الحبر الداكنة امامه، ثم إعادة رسم الأجزاء المفقودة بإضافة خطوط بسيطة ونقاط ليستطيع الأخرون تبينها ورؤيتها بدورهم ايضا. تقنية الصدفة أمست شائعة فيما بعد وغدا بعض الفنانين يؤثر استخدامها وخاصة في بداية العمل الفني، غير ان أغلبهم كان يلجأ الى تغطية آثارها مثلما كان يفعل سلفادور دالي بالتمويه عنها بإستخدام تقنيات وأساليب أخرى لإتمام اعمالهم الفنية. لا يوجد الا عدد قليل من التشكيليين العراقيين ممن يستخدم الصدفة كإسلوب وحيد للتعبير، وأذكر منهم على الخصوص التشكيلي العراقي المهم علي النجار.تقنية الصدفة تستخدم عادة من قبل اولئك الفنانين الباطنيين والذين يؤمنون بأن لهذا العالم أبعادا أخرى أعمق من قشرته الخارجية، وبعبارة أخرى اولئك الذين يستخدمون عوالمهم الداخلية للتعبير عن مشاعر وأحاسيس وحالات نفسية غير ملموسة على أرض الواقع. ومن المدهش حقا ان صور هذه العوالم الخاصة والشخصية جداً والتي تشبه الأحلام بل حتى الكوابيس تثير اهتمام الناس، تبهرهم وتستأثر باعجابهم. .وهذا دليل على ان الناس يتشابهون في لاوعيهم ايضاً، ويجدون هذه المناطق الخفية التي يطرقها الفنان في لوحاته التعبيرية تمت على نحو خفي الى عوالمهم الداخلية واحلامهم ورؤاهم، وانها تحررهم وتريحهم، أو تثير فيهم التساؤلات مثلما تفعل بهم وتستأثر باهتمامهم الحكايات وقصص الغرائب والمعجزات.وظلت تقنية الصدفة تأتي بأعمال مذهلة حتى سقطت ذات يوم قطرات صبغ عفواً وفي حالة يأس تام لينتبه الفنان جاكسون بوولوك أن قطرات الزيت تلك تحمل كل شحنة انفعاله، وهو ليس بحاجة لتحوير البقع لكي تشبه شيئآ ما، بل ان طاقته نفسها وحركة يديه وهو ينثر الالوان على الخامة كافية تماما للتعبير عن عملية الخلق الفني، فانهى لوحته الأولى تلك بنشر الألوان بحيوية والتحام نفسي كامل مع حركة يديه وفرشاته. اصبح عمل هذا الفنان مميزا جداً، و حصل على قسط وافر من الشهرة. أنتج المبدع بوولوك خامات كبيرة الحجم جدا، كان ينشرها فوق الأرض، يقطر فوقها الأصباغ، ثم يرشها بالرمل أو بالزجاج المطحون ثم يدعكها و يخربش فوقها بآلة حادة أو يضع بصمة كفه فوقها. يعتبر جاكسون بوولوك أحد اهم رواد الفن الحديث، لأنه ببساطة حطم كل قوانين الفن التقليدية والحديثة وأعاد صياغتها في نفس الوقت.. ذهب أبعد من السيريالية و من التكعيبية, أبعد من كل شئ حدث في تاريخ الفن من قبل كما امتلك عمله طاقة الحركة والتفكير العميق، و الاعجاز في أعماله يكمن في عدم امكانية تقليدها أو تزويرها لأن كل جزء من اللوحة منسوج بخيوط من الطاقة والوان وحركة لا يمكن تكرارها أو تقليدها على الأطلاق. كان جاكسون بوولوك يحول وجوده ومقدرته على التفكير والحركة والانفعال الى عمل فني متكامل خلد اثر حياته القصيرة المبتورة بشكل تراجيدي غامض.تقنية الصدفة لا زالت تستخدم من قبل عدد كبير من الفنانين وخاصة اولئك الذين يرغبون بخلق عوالم فنطازية زاهية بنشر الألوان المتضادة قرب بعضها البعض والتلاعب بها لكي تعطي انطباعا اشبه بالإنطباع الذي تخلقه الزخارف والنقوش الملونة.. انها تقنية تحرر العقل وتلهب المخيلة حقاً.
|