|
د . اليكساندرا روتاس
أستاذة في تاريخ الفن ، ناقدة
و محاضرة في
جامعة غرب انكلترا
ادناه ترجمة لمقابلة اجريت
معها من اجل فلم وثائقي عن يوسف الناصر
--------------------------------------------------
يشترك بعض من الفنانين
المنفيين في الاشتغال على موضوعة الالم ومعاناة الغربة …ما
تعرضوا له في اوطانهم او بعيدا عنها ، ومنهم يوسف الناصر الذي
تحولت الحرب في بلاده الى محرك اساسي لاعماله الاخيرة فهو رغم
مغادرته العراق منذ زمن ليس بالقصير ، لا يزال منغمرا بما يجري
فيه . 
ويبدو ان هؤلاء الفنانين
واقعون في ما لا يحسدون عليه ، فالامان الذي يتحقق بعيدا عن
الوطن ، بعيدا عن اسباب الخوف والقلق ، يتحول الى جذر لهموم من
نوع اخر . المغادرة اذن وكما هو واضح في حالة الناصر ليست
عملية فيزيائية بحت ، وهذه نقطة اساسية في البحث الذي اجريه
الان ، انت غادرت وطنك لكنك لا تزال هناك
ربما هو مقيم في لندن ، لكن
لوحاته تكشف لك بسهولة انه مقيم عاطفيا بصورة ما في العراق .
ان سوال الاقتلاع مثير للبحث
حيث ينطوي على مستويات متعددة . ان اعماله الاخيرة داكنة ،
يشبهه في ذلك فنانون منفيون اخرون . قالت لي احدى الفنانات
انها لا تنتج اعمالا جميلة ( ونحن هنا نتحدث عن الجمال الفني )
لكن يوسف قال لي ان عمله لا
يمكن الا ان يكون كذلك، وكيف يكون رائقا ومرحا عندما تكون

روح الفنان ملبدة ووحيدة ؟
واظن انه يتحدث مجازا ولا يقصد الوحدة الفردية ، انه يتحدث على
مستوى وجودي .
السواد والالم والدراما ،
حقيقية ، رغم انها ليست تسجيلا للسواد والدراما الخارجية .
عندما التقيته كان ذلك في بداية اجتياح العراق ، اطلعني على
مذكرات بصرية كان يعمل بها يوميا ، مرسومة على لفات من ورق
الجدران .
كانت لوحات سريعة درامية
وعاطفية وطازجة جدا عن ساحات المعارك واهوال الحرب رغم اننا
كنا نجلس في مكان هاديء بعيدين جدا عنها .
لقد بهتّ وانا اتابع مد الالم
في اليوميات يتصاعد تدريجيا مع تسارع ايقاع الحرب . خارج
المرسم امامي الشارع العام ... اشخاص يمشون ، المكتبة ، بائع
الصحف ، مقهى الرصيف ... حياة عادية تجري غير دارية بالحرب .
وجدت نفسي اعيش تضادا غريبا
ذكرني مرة اخرى ان الاقتلاع لا علاقة له بالجغرافيا والمسافات
، انهما شيئان مختلفان .
في لوحاته ضربات فرشاة قوية
وعريضة على قماشة كبيرة ... آآهانها اعمال فورية قريبة جدا ،
انفعالية وعميقة ، يبدو وكانها غير مشغولة ، مع انها
مدروسة ... انها ... آه ، هي امامك هكذا ... انا متاكدة انها
ليست كما تبدو لاول
وهلة وكانها حدثت مصادفة ...
انها تشبه خربشات عنيفة فوضوية لكنها في الواقع عمل صعب
الانتاج ويحتاج لمهارات كثيرة للوصول اليه ، ان الرسام جعل
الامر يبدو سهلا في متناول الجميع ... اليفا وطازجا ، صنع للتو
.
وانا هنا لا اصنع له معروفا
بقولي هذا ففي الواقع ان عمله اهم مما ذكرت .
انها تجربة فتحت عينيّ تماما
كان بامكاني ان اكتب كل اطروحة الدكتوراه عن لوحات يوسف الناصر
مثلما كنت استطيع ان اكتب بحثا
كاملا عن كل واحد من الفنانين الاخَريَن الذَين اخترتهما
لدراستي ... قد اخذني هذا
البحث كثيرا ، كنت اعتقد انني اسيطر عليه كما اقود سيارة ،
لكني
تخليت عن هذه الفكرة الان ، ان
هذا البحث هو الذي يقودني جئت لزيارة يوسف في المشغل
اثناء العمل في لوحات (المطر الاسود )
كان مشروعا كبيرا ، وكان
احساسي الاول ان تلك اللوحات تستحوذ عليّ ،
الالوان القليلة ، العتمة ،
الاسود والابيض ، الحزوز والثقوب السوداء ، احسست انني احتاج
لمشاهدة تلك اللوحات اكثر من مرة لكي استطيع هضمها ، انها ليست
من نوع العمل الذي تقدر على التفاعل معه بسهولة ، انه قوي
التاثير
لذلك اعتقد انني حاولت ان
اقاومه في البداية .
كان يجب علي ان ارى تلك
اللوحات مرة ثانية وبمزاج مناسب ، فهذه اللوحات لا تدعوك اليها
وهي ليست صورة لشيء اخر ، ان
الامر ليس محاولة وصف ما يجري في الحرب نحن هنا امام مجموعة
معقدة من المشاعر والاحاسيس ، والفنان كما عرفت ، ليس مناصرا
او مؤيدا لاحد ضد الاخر ، وهو اذا وجد ان عمله يتخذ موقفا مع
او ضد ، اعتبره فاشلا ، انها لوحات حول باس والام الحرب ،
وعذاب كل الذين وجدوا انفسهم واقعين في جحيمها .
تنظر للقماشة الكبيرة وترى
طائرة صغيرة ، تبدو كما لو رسمها طفل ، قنابل كانها اسماك
محلقة في الفضاء
قال لي يوسف مرة ( ما اسهل رسم
الصرخة ، انني احاول رسم الالم الذي خلفها ) ان صورة طفل مصاب
تختلف عن الم ذلك الطفل الامر هنا ليس تجوالا على ظاهر الحدث
بقدر ما هو غور في طياته المظلمة .
لقد حقق يوسف نجاحا كبيرا لكنه
ليس النجاح الذي يوصل الى ( مشاهدة سهلة ) فتلك اللوحات لم
تصنع لكي تشاهد بسهولة ، مثلما لم يكن رسمها سهلا .
ان التمعن في هذه اللوحات يمنح
المشاهد متعة من نوع خاص ، فالمتعة الجمالية هنا تحمل في ذيلها
ابرة لدغ هائل |