مدار النقد

محمود صبرى

محمود صبرى

 

حاورة بهجت صبرى

بداية متى واين ولدت؟

_ ولدت عام 1927 فى بغداد وتحديدا فى محلة المهدية، وهى محلة شعبية يقطنها اصحاب الحرف البسيطة من الفئات الوسطى الصغيرة، وبالمناسبة ان بعض ضباط ثورة الرابع عشر من تموز جاؤا من هذة المنطقة.

الوالد كان يعمل فى محل تجارى لبيع المنتجات المختلفة والوالدة ربة بيت. ثم انتقلنا وانا فى المرحلة الابتدائية الى منطقة الفضل وهى منطقة شعبية ايضا وكثير من سكانها من الكادحين. انهيت هناك دراستى الابتدائية والمتوسطة والثانوية.

بدايات الوعى السياسى، كيف ومتى بدات؟

_ قد تكون البدايات جاءت من البيئة التى سكنت فيها ومن اصدقاء المحلة والاطلاع على المجلات والكتب. اهتمامى كان منصب على دراسة التاريخ وخاصة كتب الفتوحات الاسلامية.

اول نشاط اجتماعى خارج نطاق الحياة الطلابية عام 1943 وكان عمرى انذاك لايتجاوز 16 عام وكنت فى الرابع الثانوى مع مجموعة اصدقاء الدراسة منهم محمد صالح العبلى، عدنان النقيب، يوسف العانى، حافظ التكمجى، كامل محمد على وحسين امين الذى اصبح مؤرخا فيما بعد وسكرتير عام لجمعية المؤرخين العرب، قدمنا طلب الى وزارة المعارف بتاسيس دورة لمكافحة الامية لكافة الاعمار، وكان وزير المعارف وقتها عبد الغنى الجرججى الذى راى اقتراحنا مقبولا حيث حصلنا على بعض القاعات "الصفوف" فى الثانوية المركزية لمدة ثلاثة اشهر اثناء العطلة الصيفية، واستمرت الدورة حتى بعد سفرى الى انكلترا عام 1945، وتخرج عدد كبير من هذة الدورة وحصلنا على شكر وتقدير من وزارة المعارف.

وماذا عن بدايات الرسم؟

_ بدات هواية الرسم من الابتدائية حيث كنت امارس هواية تكبير واستنساخ الصور من المجلات واذكر منها صورة كانت لام وطفل وحمامة وادركت بعد عدة سنوات ان هذة الصورة هى لبيكاسو اشتركت فى كثير من من المعارض المدرسية وساهمت ايضا فى جريدة الامل الحائطية للمدرسة فى الصف الرابع والخامس الاعدادى، واذكر ان التحضير والتنفيذ لهذة المجلة كانت تجرى فى بيت العبلى.

 

وهل حدثتنا عن تجربتك الفنية فى انكلترا؟

_ فى انكلترا اصبح اهتمامى بالرسم اكثر جدية، درست الرسم فى مدرسة ليلية، وهناك عام 1946 تعرفت على اوائل الرسامين العراقيين منهم: زيد صالح، جواد سليم وعطا صبرى الذى كان مدرسى فى الصف الخامس الثانوى. وبعد عام من ذلك التاريخ ساهمت ولاول مرة كرسام محترف بلوحتيين فى معرض للرسم اقامة طلبة الرسم العراقيين فى لندن و شارك فية كل من: جواد سليم، عطا صبرى، حافظ الدروبى، زيد صالح وخالد البصام. تواجودى فى انكلترا ساعدنى للاطلاع على الفنانين العالميين وهناك بدات ارسم بالالوان الزيتية.

ومتى بدا اهتمامك بالموضوغ السياسى؟

_ بداية ظهور الموضوع السياسى فى عملى الفنى يرجع الى سفرى عام 1948 الى يوغسلافيا مع مجموعة من الطلبة الانكليز للمساهمة فى اعمال بناء طريق خارجى سريع بين زغرب وبلغراد. وقد كلفت مع طلبة من جنسيات مختلفة لتزيين الجدران، وكان قسم من الصور التى عملت عليها صورا سياسية. واثناء وجودى فى انكلترا شاهدت العديدة من المعارض العالمية واذكر منها معارض ذات اتجاهات سياسية لفنانين مكسيكيين، فرنسيين وايطاليين، قد يكون لها تاثير ما على اعمالى.

وماذا بعد عودتك الى الوطن؟

_ مع عودتى من الخارج وعودة زملائى الفنانين الى العراق عام 1949 كان بداية النشاط الفنى الحقيقى فى العراق والتى تزامنت ايضا مع عودة النشاط السياسى خاصة بعد الضربات القاسية التى تلقاها الحزب الشيوعى العراقى من سجون واعدامات، وقد يكون ذلك عامل صدفة. نستطيع القول بان فترة الخمسينات كانت فترة العصر الذهبى للعراق الحديث فى كل ميادين النشاط الفكرى والاجتماعى .

أقمنا نحن جماعة ألرواد معرضا فنيا لم يكن ذا طابعا سياسيا، أغلب الصور المعروضة كانت مناظر طبيعية، بورتريتات شخصية وحياة جامدة. اشتركت انا فى أربعة صور ذات طابع اجتماعى اسميتها " نساء فى ألانتظار" كانت هذة الصور مفاجئة فى أشكالها وجديدة فى مضامينها وتحمل نوع من الاحتجاج ألاجتماعى لم يكن موجود من قبل فى مادة ألمعارض ألفنية ولم يكن ألجمهور متعود على مشاهدتها.

وهذا ألفن الاجتماعىتحول فيما بعد الى فن سياسى وبسرعة كبيرة عكس الدينامية ألاجتماعية ـ السياسية ألتى كانت موجودة انذاك فى العراق خاصة بعد وثبة كانون عام 1948. الدينامية التى تكونت فى العراق فيما بعد ولدت وظهرت من ألصراع ألاجتماعى ـ صراع ألطبقة العاملة بشكل اساسى، وهذا ما ميز ألعراق عن ألبلدان ألعربية الاخرى. هذة ألسمة هى ألتى خلقت ألثورية فى ألفن ألعراقى، ألشعر ألعراقى، ألرواية ألعراقية وفى ألفكر ألعراقى ككل. ان ظهور ألادب ألثورى ألفلسطينى ما بعد عام 1967 قد ظهر فى ألعراق فى وقت مبكر ما قبل ألخمسينات. ان ألظرف ألخاص الديناميكى ألثورى قد صبغ ألحياة ألعراقية فى ألادب وألفن بلون معين وهذا اللون لون كل أشكال ألوعى ألتى كانت أنذاك من قبل ألمنتجين العراقيين من أدباء وكتاب وفنانين، وظهرت اتجاهين جديدين رئيسيين فى ألفن العراقى: الاول ارتبط بجماعة بغداد للفن ألحديث مثل جواد سليم وشاكر حسن ال سعيد ألذين طوروا ألشكل ألمستمد من ألتراث ألعراقى ألقديم سواء كان اسلامى ، بابلى أو سومرى. وألاتجاة ألثانى ارتبط بجماعة ألرواد، واذا أشرت الى بداية ألمواضيع ألسياسية فى أعمالى فاشير هنا الى أن ألشكل ألانسب هو ألشكل ألاكثر تعبيرا للموضوع ألذى أريد أن اعبر عنة، فانا لم أبحث عن ألشكل لجماليتة، لكنى أبحث عن ألشكل ألذى ينسجم مع الموضوع والموضوع ألذى أريد ألتعبير عنة.

 

اول معرض اقيم لجماعة الرواد، اشترك فية جواد سليم وزوجتة لورنا سليم وكان هذا المعرض بداية المرحلة الجديدة للفن العراقى الحديث. عام 1951 اسس جواد سليم جماعة الفن الحديث، وفى عام 1953 اسس حافظ الدروبى" جماعة الانطباعيين" وبقى عدد من الفنانين مستقلين مثل خالد الجادر وعطا صبرى. وفى 1956 تشكلت جمعية الفنانيين العراقيين حيث ضمت كل هذة المجموعات وعدد كبير من الرسامين المستقلين.

اندلعت ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، وماذا بعد؟

_ قبل الثورة كنت اعمل فى بنك الرافدين، وبعد الثورة احدث محمد حديد وزير المالية تغيرات كثيرة فى مختلف المؤسسات التابعة للوزارة، ومن ضمن هذة المؤسسات كانت بنك الرافدين. فى بداية الامر تشكلت ادارة جديدة ثلاثية وانا كنت اتراسها، ثم انحلت هذة الادارة واصبحت انا وكيل المدير العام لبنك الرافدين، هذة المسؤلية اخذت كل وقتى وجهدى، خاصة وان مشاكل العمل فى بنك الرافدين الذى كان لة فروع فى كل انحاء العراق وخارج العراق مثل سوريا ولبنان وانكلترا، فلم يكن هناك وقت لتكريسة للعمل الفنى الانتاجى. وخروجا من هذة المشكلة والتركيز على الميدان الفنى،اسست مصلحة المعارض وفعلا صدر قانون بتشكيلها وانتقلت للعمل فيها وكان ذلك عام 1959 .

لكن المشكلة بقت قائمة، كان يجب ان يكون انعطاف فى الفن حتى يستطيع ان يعبر عن الوضع الجديد. من الخطا مواصلة الفن بالشكل الذى كان علية سابقا، ينبغى خلق اشكال جديدة فى الفن، الاشكال التى تعبر عن الظروف الجديدة، الظروف الاجتماعية السياسية. كان يجب على ان اتفرغ كليا الى الفن، ولذلك استقلت من بنك الرافدين وانتقلت الى مصلحة المعارض. وبما ان مصلحة العارض كانت حديثة الانشاء، فكان يجب على ان اؤسس كل شى: النظم الداخلى، برامج العمل، اختيار الموظفين وتدريبهم. ادركت حينها ان المسؤلية كبيرة جدا ولايمكن التوفيق بينها وبين عملى الفنى، ولذلك كان على ان اتفرغ كليا للرسم.

تحدثت مع بعض الشخصيات فى هذا الموضوع وكان الشهيد سلام عادل من الناس القلائل الذى تفهم هذة الفكرة.

فى نهاية 1960 اتخذت قرارا بالاستقالة من عملى فى مصلحة المعارض والسفر الى الاتحاد السوفيتى للتفرغ التام لسنتين على الاقل للعمل الفنى والبحث عن اشكال جديدة فى الفن. وهناك حققت مجموعة اعمال منها جدارية " وطنى " التى كان من المؤمل عند العودة الى العراق تنفيذها على الجهة الثانية من جدارية جواد سليم. ولهذا رسمتها بنفس مقاييس الجدارية تقريبا وهى خمسة امتار عرضا ب 90 سنتمترا طولا، كان ذلك نهاية عام 1960 وبداية عام 1961. كان من المقرر ان اتفق مع احدى الجهات الفنية فى موسكو لغرض تنفيذ هذة الجدارية بالموزايك.

حدثنا بتفصيل اكثر عن فكرة هذة الجدارية؟

- الفكرة التى تتحدث عنها الجدارية تاريخية اعطيتها اسم " وطنى " تمثل صراع الشعب العراقى عبر التاريخ، بدأ بظهور المجتمع الطبقى لحد الان. وكان لثورة الرابع عشر من تموز مكانة مركزية فيها. الصورة غير مبنية على التسلسل الزمنى بقدر ماهى مبنية على مراحل، والمرحلة قد تشمل شهر، شهرين او ثلاثة وقد تشمل قرون طويلة، انها حالات اجتماعية فى تسلسلها، حالات استغلال قسرى طبقى حالات اضطهاد واستغلال جديدين وحالة من مواصلة العمل والمسيرة.

ونستطيع القول ان اللوحة مقسمة الى ثلاثة اجزاء:

الجزء الاول: الاظطهاد والقمع والصراصات الطبقية.

الجزء الثانى ( الوسطى): يمثل لحظة زمنية ينتهى فيها القمع، وهى مرحلة انتقالية، وهذا ما حدث فعلا فى مرحلة ثورة 14 تموز، الاضطهاد غاب للحظة زمنية قصيرة واعطى الناس احساس بالطمأنينة والسعادة والشعور بالحرية.

الجزء الثالث: يظهر شكل جديد من القمع. وانهيتها برمزين: رمز لشخص طبال وهو مأخوذ من السبايات والمظاهرات فى الثلانينات ويعنى التحفيز الى شى ما. والرمز الثانى هو شخص عامل يرفع راية.. وكل هذا يعنى انة ينبغى ان تبدأ مسيرة جديدة تتجسد فى هذين الرمزين، حامل الراية والطبال. وهذا ماجرى فعلا فى العراق.

فى حالة الاسقرار فى العراق وطلب منكم العودة الى الوطن وتنفيذ جدارية " وطنى " ، ترى هل ستنفذها بهذا الشكل ام تجرى عليها تغيرات ما؟

- اعمل عليها تغيرات حتما، قد تكون كبيرة بحيث تصبح شى جديد وارسمها بشكل اخر، حيث مرت عشرات السنين ومفهومى حول ماجرى فى العراق اصبح مختلفا الان، لذلك فان التغييرالذى ساجرية على الجدارية ساعبر عنة من خلال التفسير المختلف، وساتعامل مع الصورة بشكل اخر من ناحية التركيب ومن ناحية الالوان. وربما نقاط التركيز على بعض الجوانب ستختلف كالتركيز على القمع والاضطهاد وعلى مفهوم الحرية والديمقراطية، هذا عدا التاكيد على بعض الجوانب الاخرى فى الجدارية التى ستاخذ نسبا تختلف عن التناسب السابق، لان المنظور التاريخى للمشكلة وبعد كل هذة السنيين تغيرت حتما وخاصة وان التغيرات والتقلبات على الساحة العراقية كانت كثيرة جدا.

الجدارية لم ترسم اساسا للتعبير عن تسلسل زمنى بصيغة عقود من الزمن، وبتعبير اخر انى لم اوكد على الجانب الزمنى، بل كانت محاولة لاعطاء المرحلة الجديدة ابعادها، فالشعور السائد انذاك عند الناس من ان المرحلة التاريخية المليئة بالقمع والاضطهاد والاستغلال قد انتهت وبدأت حياة جديدة تملاها السعادة، ولكن مااشرت الية هو ان هذة اللحظة الزمنية قد انتهت وبدأت مرحلة جديدة من القهر والاضطهاد بشكل أخر، لايهم كم تستغرق من الزمن.. لو أردت اعادة رسمها من جديد قد أعطى لها قيمة نوعية اكثر من ألسابق، يمكن ان اضيف عليها بعض التفاصيل أكثر من ألسابق، اعطيها تعبير اخر، ربما لان ألاضطهاد والقسر أخذ شكل اخر من البشاعة لم يكن يتصورة احد فى تلك ألفترة .

من الاعمال المهمة أيضا التى انجزتها فى موسكو لوحة " جنازة ِشهيد " اليس كذلك؟

ــ نعم كان ذلك عام 1962، رسمت لهذة الصورة عدة نماذج، ربما هى كموضوع بالنسبة لى يتكرر طيلة سنوات انتاجى الفنى خاصة بين الاعوام 1951 ــ 1962 هى تمثل أو مااسمية ألثورى ألعراقى، ارتبط موضوع ألصورة بحادث استشهاد نعمان محمد صالح فى نقرة السلمان نتيجة اضرابة عن ألطعام ثم تشييع جنازتة فى بغداد عام 1951 .

استمرارى فى التعامل مع هذا الموضوع أعطانى أمكانيات لتطوير عملى الفنى وتطوير الصورة نفسها. كل نموذج كان له سمات خاصة فية ، التشكيل، الالوان، التكنيك الفنى وعدد الشخوص جميعها كانت دراسات لصورة نهائية 4 × 2 متر. مع الزمن أصبح هذا ألموضوع بالنسبة لى ألميدان ألتجريبى، وأصبح جزء لايتجزأ من ممارسة عملى ألفنى وأصبح ميدان للتجربة ألشكلية وألتركيبية وأللونية. أحيانا أتصور أن جذور اهتمامى بهذا ألموضوع ربما ترجع الى زمن ماقبل حادثة استشهاد نعمان محمد صالح، قد يكون مصدرها تاثير ألسبايات ألتى شاهدتها فى طفولتى. ولكن بعد ألحادثة أخذت رسوماتى شكل سياسى وأصبحت مرتبطة بالتغيير عن نمط من ألحياة، نمط الصراع ألذى تقوم بة فئات او أفراد من ألشعب بدافع ألخير واستشهادهم من أجل الاخرين.

بالنسبة الى ألفنان يجد فى هذا الاستشهاد مادة لتمجيد قيم معينة وألتعبير عن موقف تجاة ألحياة

ببساطة ماهى واقعية الكم؟

ــ حتى القرن العشرين كان الفن يعبر عن العالم كنظام من مظاهر، أعنى مناظر البيوت ، الاشجار، الورود، الجبال، الحيوانات،البشر... والخ

فى القرن العشرين اكتشف ألانسان الحديث بواسطة أجهزتة العلمية المعقدة عالما جديدا معقدا، مانسمية اليوم بالعالم الذرى ودون الذرى. وهذا العالم يجسد مجالات متفاعلة من الطاقة.

واقعية الكم لاتقول اكثر من هذا... ان ألفنان ألمعاصر ينبغى ان يعبر عن هذا العالم الجديد كما عبر الفنان القديم عن العالم الذى يالفة، لكى يكون الفن المعاصر معبرا حقا عن المعرفة المعاصرة والوعى المعاصر والواقع المعاصر.

السوال الذى يجابهنا هنا هو ما هى فائدة مثل هذا الفن؟ والجواب كفائدة الفن الماضى. العالم العميق الجديد الذرى ودون الذرى يحتوى على طاقات هائلة يمكن للانسان اذا استغلها بشكل صحيح أن يغير نمط حياتة على هذا الكوكب.

ان واقعية الكم ترسم كمات ألطيف ألكهروـ مغناطيسى التى تسير بسرعة الضوء. وبالتالى فانها عديمة ألزمن كما يقول ألعلم. هذا ما عبرت عنة فيما يسمى بالمرحلة الاولى من واقعية الكم.

هناك تراكيب من كمات طيفية وكونها كمات طيفية فتكسب الزمن المرتبط بها والذى هو لا زمن.. وهى عديمة الزمن. التجارب التى عملت عليها على واقعية الكم او ماأسمية ألمرحلة ألثانية تستند على الافكار التى جاء بها اينشتاين ألنسبية من ان ألزمن متغير وان كل جسيمة فى ألطبيعة لها زمنها ألخاص بها، لهذا فان الاتجاة الذى أعمل علية الان هو اعطاء كل جسم زمنة الخاص ألمرتبط بة.

فيما يتعلق بالبداية التاريخية، تذكرت ان الفن السومرى القديم ليس كجزء من الحضارة التاريجية العراقية فقط بل كجزء من التاريخ الفنى وواقعية الكم نفسها، المسالة تتعلق فيما ينشغل فى تصويرة الفنان ومدى ارتباط هذا الشى بالحياة الفكرية التى تميز مرحلة عن اخرى تاريخيا. على سبيل المثال لناخذ موضوع الماء، فالبابليين والسومرين صوروا الضواهر الطبيعية بضمنها الماء على شكل الهى، المنحوتات والاختام الاسطوانية فيها ترمز الهة الماء.

أى موضوع يراد تصويرة يصور وفق المفاهيم ألسائدة فى المرحلة التى يصور فيها.. وبعد قرون طويلة تتغير معرفة الناس بالضواهر الطبيعية، فالفنانين فى القرون الوسطى مثلا صوروا الماء كسائل كما يحسون بة، وهذا يعكس التغيير فى النظرة والمفهوم للظواهر الطبيعية، فبدلا من تصويرها كاشياء غيبية غير منظورة مرتبطة بالالهة اصبح التعبير عنها كما تبدو للحواس بشكل مباشر.

فى العصر الحديث اصبح تحول علمى جديد فى مفهومنا للظواهر . الان عندما نتحدث عن ظاهرة بشكل علمى نتحدث عنها بتركيبها الكيمياوى، مثلا الماء عبارة عن أوكسجين وهايدروجين. من هذا نرى التسلسل فى معرفة ظاهرة معينة وكيفية التعبير عنها، فالسومريين القدماء صورا الماء بشكل الة، وفى القرون الوسطى صوروة كما هو، اما الان نتعامل مع الماء كتفاعل كيمياوى.

ألعلم وصل الان الى نقطة نهائية فى مجالات ألطاقة وهى ألكم، ويمكن انطلاقا من ألكم تركيب ألعالم من جديد، ولكن من اسفل نقطة، أشبة بقاع ألبئر او قاع ألبحر، ونحاول من جديد أن نركب ألبحر بكاملة. من هذة ألتصور ألجديد ألذى أراة أليوم لواقعية ألكم.

لو استطعنا اعادة تركيب رؤيتنا الى هذا ألعالم بهذا ألشكل فاننا سنفهم ألوجود وألكون بشكل أخر، وبالتالى فان ألانسان ستصبح علاقتة مع ألكون علاقة من نوع جديد لايمكن تصورها ألان.

أقمت معرضك ألاول عام 1971 وفيما بعد ألقيت عدة محاضرات ومعارض فى عدد من بلدان العالم بما فيها ألعراق عام 1973، كيف كانت وقتها ردود ألفعل من أصحاب ألاختصاص؟

كانت هناك ردود فعل متضاربة للنداء ألاول ألذى ارتبط بالمعرض ألاول لواقعية ألكم فى براغ، قسم رحب بالفكرة واعتبرها كما عبر خدربا واعتبرها نهضة يجب أن تناقش وتبحث لاهميتها، وقسم اعتبرها اعادة تكوين لبعض مفاهيم ألفن ألحديث ألجارية التقليدية خاصة فى ألميدان التجريدى. طبعا كانت هناك مواقف معارضة قوية أيضا لكون واقعية ألكم تحاول أن تجد صيغة علاقة متبادلة بين ألعلم والفن، لان هناك رأى سائد بان ألفن يعمل فى وادى منفصل عن ألوادى ألذى يعمل فية ألعلم، وهناك أيضا ردود فعل محايدة.

هل هناك نوع من ألتشابة أو ألاختلاف فى الشكل بين مايسمى بالفن ألتجريدى وواقعية ألكم؟

ــ هناك تشابة واختلاف، ألتشابة ياتى من أن مانسمية ألفن التجريدى ألذى هو فن مثالى يحتوى على عناصر تحتويها أيضا ألاشكال ألواقعية، ألفن ألمثالى، كفن ألاغريقى أو روفائيل احتوى أيضا على عناصر شكلية تحتويها ألمدارس ألواقعية فى حينها، وهذا مانراة عند مقارنة رافائيل مع ليوناردوأو كرافجو أو مايكل أنجلو.

أما ألان عندما حدث هذا ألتحول ألكبير فى ألفن فى بداية ألقرن ألعشرين بما نسمية ألحركة ألتجريدية وألحركة ألواقعية ألتقليدية فى ألفن، أصبح من ألصعب تشخيص جوانب ألشبة وجوانب ألاختلاف متى ما حدثت هذة ألمشكلة بالنسبة للتجريد هى مقارنتة بواقعية ألكم لان واقعية ألكم تقول أنها تعبر عن مستوى طبيعى عميق من ألواقع ، ألمستوى ألذى اكتشفة ألعلم ألحديث. ألفن ألتجريدى يقول أنه يعبر اما عن دوافع أو نوازع ذاتية أو أشكال ذهنية أو مجرد تخطيطات هندسية قائمة على مبادئ رياضية أو هندسية بحتة. واقعية ألكم تحاول أن تعبر عن واقع عميق بصيغ مستمدة من هذا ألواقع، أى بصيغ لونية وشكلية ـ هندسية رياضية كما هو فعلا. فألتشابة ألشكلى واللونى مبعثة وجود هذين ألمنطلقين، منطلق ياخذ كما هو فى ألتجريد ألالوان بشكل مجرد ويحاول ايجاد علاقات فيما بينها. ومنطلق اِِِخر كما تعبر عنة واقعية ألكم ياخذ ألواقع كاطياف لونية ويحاول أن يعبر عنة فى علاقاتة ألواقعية كما هى حقا. هنا أيضا يكون ألاختلاف بين ألفن ألذى يدير وجهة بعيدا عن ألواقع ويحاول أن يتخيل فقط ، وبين ألفن وهو يحاول أن يدرس ويحلل ألواقع ويعبر عن نتائج تحليلية اضافة الى دراستة لهذا ألواقع تشكيايا وفنيا. وهذا هو ألفرق بين مفهوم ألواقعية كما هو معروف تاريخيا وبين مفهوم ألتجريد.

أود أن أضيف تعليقا اخر وهو قريب عن ما قلتة، لنأخذ ألمسألة من وجهة نظر فلسفية، هناك مثلا ألفرق ألذى دائما يشار الية بين فلسفة ماركس وبين فلسفة هيغل. هيغل جدلى مثالى وماركس جدلى مادى. ماذا يعنى ذلك؟ يعنى أن هيغل ألجدلى ألمثالى ينطلق من اشكال ألفكر ويعتبرها ألاولوية ويعتبر ألواقع ألمادى انعكاس لها، وبألنتيجة فهو يدرس اشكال ألفكر ويحاول ألتعبير عنها.

أما بألنسبة الى ماركس فهو ينطلق من ألاشكال ألمادية من ألواقع ألمادى ويعتبر ألاشكال ألفكرية أشكال ألوعى هى انعكاسات لها فى أذهاننا، انعكاسات لهذا ألواقع فى أذهاننا. فكلاهما جدلى، أى هناك نقطة شبية بين ماركس وهيغل وهو وجود ألجدلية. غير أن هناك اختلاف، أحدهما ينطلق من ألفكر وألاخر ينطلق من ألمادة.

تؤكدون دائما على أن أهمية واقعية ألكم تكمن فى محاولة فهم هذا ألعالم ألجديد وتسخيرة لحاجات ألانسان، كيف توضح لنا هذة ألصورة؟

ــ ألانسان يعمل دوما فى هذا ألعالم ويغيرة ولكن بوتائر مختلفة عبر ألتاريخ. عندما نقول أن عصر ألنهضة عصر تغييرهو فى ألواقع لان ألتغيير ألذى يجرى فية يتميز بميزة خاصة وهو تغيير على مستوى جذرى على مستوى ألتركيب ألاساسى للمجتمع وألطبيعة. لهذا فألفن ينبغى أن يدرب ألانسان على متعة ألتغيير ألجذرى وليس ألتغيير ألسطحى . على ألمستوى ألاجتماعى مثلا ، بامكانك أن تجر ألناس الى مظاهرات والى اسقاط حكم معين، ولكنك لا تستطيع بذلك فقط أن تجعلهم يغيرون ألمجتمع جذريا وتركيبيا. ولغرض تغييرألمجتمع جذريا ـ تركيبيا ينبغى أن تكون هناك أشكال مختلفة من ألتفكير، أن يكون لهذة ألجماهير وعيا مختلفا، وعيا بالتفكير ألجذرى.

لهذا نتكلم ألان عن اشتراكية علمية على أساس أنها تغير وعى ألناس ألعلمى لغرض تغيير ألمجتمع وتحويلة من نظام طبقى الى نظام غير طبقى، هذا يحتاج الى شئ أكثر من ألعاطفة وأكثر من ألتمرد وأكثر من ألثورة. يحتاج الى عاطفة من نوع معين وتمرد من نوع معين وثورة من نوع معين، ثورة وتمرد تحاولان تغيير ألاشياء على مستوى جذرى.

فألفن ألسابق ألثورى كان فن على مستوى ألتغيير ألسطحى يستطيع أن يجر ألناس ألى مظاهرات، ولكن لايفهمهم ماذا يعنيهم ألتغيير ألتركيبى ألاساسى ألجذرى للمجتمع. ماذا تعطى واقعية ألكم؟ انها تعطى بالضبط فهما جذريا للمسائل، لكل ألاشياء فهما للعالم كلة. فبدلا من أن يرى ألانسان ألماء كما يراة فى عينة ألمجردة، يفهم بأنة تركيب. وبدلا من أن يرى ألانسان ألاشكال ألاخرى كما تبدو لعينة ألمجردة، تحاول واقعية الكم أن تعطية ألتركيب ألمادى ألحقيقى للاشياء. أى ماتفعلة واقعية ألكم هو أن تدرب ألانسان فى ألنظر الى ألاشياء على أنها ليس كما تبدو وانما هناك أساس تركيبى لها ولكل ألاشياء ألاخرى.

فعندما يتحول وعى ألشخص بهذا ألشكل ويصبح ثوريا فانة سيفهم ألتغيير ألثورى على مستواة ألجذرى ألعميق وسيتمكن عندها من تغيير ألعالم على ألمستوى ألاجتماعى. أما ألشخص ألذى يبقى يحتفظ بالثورية ألرومانتيكية على ألمستوى ألسطحى فانة ينجح فقط باحداث شغب واحداث تمرد عفوى واحداث تمرد وقتى وحتى انتصارات وقتية تنتهى بانتكاسة، كما حدث لنا مرات عديدة فى الماضى، وهذا هو ألشئ ألذى حاولت ان أوكد علية مرارا وتكرارا.

ـ كيف يستطيع ألمتفرج أن يميز بين مضمون لوحة وأخرى فى واقعية ألكم، أقصد كيف يتعرف على أن هذة أللوحة تعكس او تمثل ألماء مثلا وليس ألنفط اوشئ اخر؟

ــ انى أنطلق من أن ألفن هو دوما لغة معينة وينبغى أن يكون هناك حد أدنى من ألالمام باللغة أية لغة حتى أللغة ألتى نتحدث بها، لايمكننا أن نلوم ألكاتب اذا كانت هناك أمية فى ألبلد، ألكاتب يكتب لمن يستطيع ألقراءة، ولا يمكننا أن نقول أن أللغة ألصينية مثلا كونها غير مفهومة لى ، أنها لغة خيالية ولا اساس لها، انها حقا لغة يتحدث بها مئات ألملايين من ألناس ويتفاهمون بواسطتها. أى بكلمة أخرى أريد أن أقول أن كل فن هو لغة ألكتابة، ألشعر، ألرسم والموسيقى.

أن أللغة ألتى تتكلم بها واقعية ألكم هى لغة مستمدة الى حد ما من معرفة بالفيزياء وألكيمياء، غير أننا عندما نريد أن نتكلم عن فن معاصر أو بحركة فنية فى هذا القرن، نفترض أساسا أن هناك مستوى من ألتعليم ألمدرسى. ألفيزياء وألكيمياء تدرس ألان فى ألمدارس ألمتوسطة وألثانوية وألتلاميذ لديهم ألان معلومات أولية على ألمستوى ألذرى ودون ألذرى وعن ألكم وعن فيزياء ألكم والنسبية، هذة ألمعلومات تؤهلهم الى حد كبير ألى معرفة اسس أللغة ألفنية ألمبنية عليها واقعية ألكم.

مثلا عندما تعرض صورة لواقعية ألكم أمام جمهور لم يحصل على أى مستوى من ألتعليم فمن ألصعب ألتوقع بان مثل هذا ألجمهور سيفهم واقعية ألكم أو يستطيع ألتميز بين صورة وأخرى، وهذا ليس ذنب واقعية ألكم. واقعية ألكم تنطلق كونها لغة للتعبير على واقع أكتشف حديثا، أى أنها تعرض أشكال وتراكيب مرتبطة أساسا بمعرفة حديثة، لهذا فهى تفترض أن يكون ألجمهور ملما بشئ من هذة ألمعرفة ألحديثة. عندئذ يمكن ألحديث عن ألتمييز بين ألصور، وفى هذة ألحالة نأنا متأكد من ان مستوى ألمعرفة بالعلوم ألطبيعية على ألمستوى ألثانوى كاف لادراك وتفهم وتذوق تصاوير واقعية ألكم.

واقعية ألكم تنطلق كونها لغة للتعبير على واقع أكتشف حديثا، أى أنها تعرض أشكال وتراكيب مرتبطة أساسا بمعرفة حديثة، ولهذا فهى تفترض ان يكون ألجمهور ملما بشئ من هذة المعرفة ألحديثة.

عندئذ يمكن ألحديث عن ألتمييز بين ألصور. وفى هذة ألحالة فأنا متأكد من أن مستوى ألمعرفة بالعلوم ألطبيعية على ألمستوى ألثانوى كاف لادراك وتفهم وتذوق ألصور.

bahjatsabri@yahoo.com