مدار النقد

عمر المطلبي

فنان تشكيلي/ العراق

 

 ان الشعر والتصوير فنان متفقان في الرؤية ويختلفان في الاداة فالاول اذاته الاقاويل والاخر اداته الاصباغ وعليه فأن المحاكاة في التصوير لا تبتعد عن ما هي عليه في الشعر ، فالمحاكاة عند افلاطون مثالية وعند ارسطو تشبيه بالواقع وليست المطابقة التامة وعند الفارابي هي الايهام بشبيه الشيء وعند ابن سينا انها لا تطابق الواقع وانها ليست تقليدا حرفيا لها والتشبيه من ناحية التخيل وكذلك ابن رشد عدها (أي المحاكاة) صور حسية يغلب عليها التشبيه واتفقوا جميعا على وجود (الصفة الشعرية) بوجود المحاكاة والتي هي وسيلة من وسائل المعرفة. فتحدد التصوير عند المسلمين بمجموعة عوامل منها معارضة الفقهاء لهذا الموضوع وعدم التركيز عليه. وعلى الرغم مما جاء به الفكر الفلسفي للمسلمين وكذلك تناقلهم للمواضيع التصويرية التي نقلت عن الاغريقية وتحليلاتهم الخاصة حيث اتجهوا وما يواكب يتماشى وروح الشريعة السمحاء. وأكثر الاراء اصبحت تواكب التطور نظرا لما في الاسلام من اسس كبيرة وكثير جدا اعتمدوا عليها في اطلاق آرائهم وأفكارهم المنطقية. وعليه فأن التصوير ازدهر في القرنين 12- 13 الميلادي وذلك لاتساع الدولة الاسلامية وشملها بلاد كان فيها التصوير منتشرا بها فضلا عن استجداد احوال ذات طبيعة اجتماعية جعلت التصوير محتمل الوجود وانتشرت الصور في العديد من القصور وخصوصاً الحمامات (كونها اماكن لا تعطي الصور أي صفة تعبيرية والنقطة المهمة في طلب الحكام من الفنانين لرسم وتزيين قصورهم وان عارض هذا الشريعة)[1]. فضلا عن نمو المناخ الفكري عند المسلمين للاحتفاظ بمواضيع تصويرية من خلال ترجمة المؤلفات الاغريقية والقبطية الى اللغة العربية ونقل ما بها من تصاوير. فبدأت تبزر حالة ازدواجية في امكانية وجود مثل هذا الفكر بين ما هو شرعي والمعارضة من جانب الفقهاء والعرف الجديد الذي ساد بتشجيع الحكام وهذا كله كان له الاثر الكبير في اعطاء المحاكاة شكلا وفهما جديدين. فقد اصطدم التصوير بشكله الواقعي الحرفي بمفاهيم تحرمه على الرغم من ان الواقعية الصرفة ليست بالعسيرة على الفنانين آنذاك كما هو واضح في الفنون القديمة كالاغريقية والرومانية من خلال الآثار الفنية والمنحوتات التي تنتمي الى تلك الحقبة وهي ذات واقعية حرفية مجسدة لآراء افلاطون وبالرغم من ذلك فان الفنان المسلم ذهب في التصوير من خلال فهم جديد للمحاكاة وهذا ما عكسته مخطوطات الواسطي. ان السبب في نوعية الفن الجديد يعود الى امرين اولهما الحقبة الزمنية التي اندثر خلالها فن التصوير وذلك لأن الدين الجديد لم يطلق العنان لهذا الفن على العكس من فن (الخط) او الكتابة فكانت فجوة حالت دون تطور فن التصوير ثانيهما ان يكون هذا الاتجاه في التصوير مقصودا وهو وليد الآراء والافكار الفلسفية التي جعلت من هذا الفن بعيدا عن الحرفية ومن ثم لا يتعارض مع آراء الفقهاء بهذا الخصوص. فولد من الواقع الذي كان مؤثراً واخذ شكلا غير حرفي وذي خصوصية ومع ذلك فأن الفنان المسلم كان أكثر التزاما مما ذهب اليه الفلاسفة في طروحاتهم (فكان التسطيح من العناصر المميزة لهذا الفن ولذلك ابتعد كليا عن المحاكاة اليونانية الهلنستية ومن خلال مجموعة المفاهيم كان فنا جديدا ذا طابع خاص وشاعرية تبين مميزة تعبر عن مفهوم اجتماعي)[2] اذن هي محاكاة ذات خصوصية وبعيدة عن المفاهيم الكلاسيكية في التصوير ولا سيما من الجانب الشكلي والتقني من خلال الشخوص الذين سحنهم متقاربة ونسبهم غير واقعية وكذلك الحيوانات تبدو واقعية لكنها ليست بشكل حرفي والمناظر الخلوية التي تشبه الاشجار والاعشاب البحرية العملاقة وكذلك الازهار التي جاءت محورة تحويرا شديدا فبدت زخرفية اقرب الى التطريز واستطاع الواسطي ان يؤسس لنمط جديد من المحاكاة والاتيان بفن يحاكي الطبيعة والشخوص ويقلد ازياءهم وحياتهم ومجالسهم ومراسم الدفن والصراعات الدرامية واستنبط من المواضيع الاجتماعية قيمة درامية تعكس طبيعة المجتمع آنذاك ومن كل هذا كان (ما يفتأ يشكل جموعه تشكيلا كاملا يقتطع لحظة من حياة كاملة تجمع بين الانسان والحيوان والنبات في محاولة لخلق عالم تشكيلي حق والتعبير الاجتماعي في الفن وذلك ضمن اطار شخصي ينم عن تكامل في الاداء)[3].

فأبتعد الرسام عن حرفية الواقع فكانت الصور قليلة التجسيم والعمق والمنطقية (ان الرؤية الفنية للواسطي هي بالاساس مجردة بل ان فن الصورة المصغرة بأسره من المنمنمات على حد تعبير بشر فارس هو فن مجرد وليس بالطبيعي النزعة)[4] فالمحاكاة هنا رمزية وتتعامل مع الشكل بطريقة مسطحة معتمداً وبشكل كبير على مبدأ الاختزال في كل شئ وارتكز في بناء الاشكال على الخط واللون الذي اعطاه صفة تعبيرية تمكن من خلالها تأكيد مبدأ التسطيح حتى استمد منها الفنان المعاصر نفس القيم في خلق اللوحة المعاصرة كما حدث عند الكثير من الفنانين المحدثين. وعليه فان المحاكاة التصويرية شهدت تحولات عديدة عبر العصور شأنها شأن اللوحة والفنون كافة فكانت محاولة تقليد الطبيعة تقليدا حرفيا مع اضفاء قوانين جديدة على اللوحة تجعل منها شيئا جديدا وغريبا في محاولة لابداع قيم جمالية وما الفن الحديث الذي اتخذ من الاختزال والتسطيح والذهاب باتجاه ابتداع رمزية وتعبيرية العصر الااحد اوجه التاثيرات الحضارية التي تركتها المحاكاة التصويرية لفن الرسم الاسلامي على شكل ومفاهيم الحداثة في العالم وكان ذلك واضحا في تجارب العديد من المبدعين في الغرب امثال فان كوخ وبيكاسو وكاندنسكي وتاثرهم من خلال مشاهداتهم لفنون الشرق في المعارض التي اقيمت في اوربا نهاية القرن التاسع عشر فقاموا على تحطيم الشكل الطبيعي وتحويله الى سطوح بسيطة تعتمد على الخط واللون.كما هو حال المحاكاة التصويرية التي امتهنها رسامي المنمنمات المسلمين.

 

 

المصادر

1-   ريتشارد ايتنغهاوزن، فن التصوير عند العرب، ترجمة عيسى سلمان وسليم التكريتي، وزارة الاعلام، 1974.

2-   د. محمد مكية، تراث الرسم البغدادي، وزارة الاعلام، سلسلة مهرجان الواسطي، بغداد، 1972.

3-   شاكر حسن ال سعيد، الخصائص الفنية لرسوم الواسطي، سلسلة مهرجان الواسطي، بغداد 1972.

4-   بشر فارس، هامش (5) سلسلة مهرجان الواسطي، 1972، ص 41.