مدار النقد

        بقلم : د. شوقي الموسوي

       ناقــد وباحث أكاديمي

    

      إن الجسد يوحدنا مع الأشياء ، كما العالم ، ويقودنا إلى المخلوقات ذات الأعماق ، التي تجعل من الاستبصار في جوهر المرئيات ، لغة نصية خارجة عن كل تحديد مكاني ، تُحطم كل ما هو ثابت (واقع) ، كمحاولة إلى الغوص في عوالم الصمت الذي يُغلف الكلمات ، بعيداً عن القشور (القوالب) .

 

    فقد أصبحت القراءة مع مناهج الحداثة ، في حدود الرسم العراقي المعاصر ، هي طريق التلقي ، لتقديم المعنى البديل لغياب المؤلف (المنتج) ، كمحاولة لجعل النص (اللوحة) ينفتح أمام المتلقي ، عبر تراكمات الجسد الثقافي على المستويات العقلية والروحية التي ينتمي إليها النص ، لأجل استرداد المعنى من اللامعنى .

 

     هذه الجدلية في قراءة النص التشكيلي ، ضمن طروحات التلقي ، نجدها قد نضجت في أغلب نتاجات الفنان " حُسني أبو المعالي " المتأخرة ، التي اتخذت من شعرية النسق اللوني ، الممتليء بالمضامين ، أساساً في إنشاء مشاهده التصويرية ، من أجل ان يرتقي النص (اللوحة) إلى مستويات الإيحاء ، بعيداً عن المحاكاة المباشرة .. وخاصةً في لحظة اشتباك المتلقي مع نصوص " أبو المعالي " ؛ إذ أن   نتيجة الفعل ألقرائي من قبل المتلقي ، يتم التقاط المثيرات في النص (( الجسد الأنثوي – الطير الأبيض – السماء الحمراء – البراق الأبيض – الشبح ....)) ومن ثم تجريدها ذهنياً من سياقها المكاني ، لتصبح كمحفزات لمناطق اللاوعي الجمعي ، يعمل على صياغة المشهد ذهنياً ومن ثم إنتاج نص جديد قابل للقراءة           والتأويل .

 

    على اعتبار ان النسق اللوني هُنا ، يُوحي بمجموع العلاقات التصميمية المتواجدة بين الوحدات (الفضاء الموجب) والفترات (الفضاء السالب) ؛ لذلك نجد ان فعل صوت الألوان الذي انفتح به النص التشكيلي للفنان " أبو المعالي " قد فجر مضامين عديدة ، تتأرجح بين الفعل واللافعل ، بين الصمت والكلام ، بين المعنى واللامعنى .. كشفرة دلالية (شفرة المعنى) التي يُمكن ان نعتبرها نسق من العلاقات اللونية والخطية ، تتحكم في إنتاج أشكال جديدة ، يتحدد مدلولها بالرجوع إلى النسق .. وبالتالي يتمرحل المتلقي ذهنياً ، عبر الشفرات في لحظة القراءة  من النص متوجهاً نحو مديات بلا حافات من الشفرات ، لأجل الإمساك بالطيف (المعنى) ، ليصبح النص الجديد جملة من الدوال .

     حيث أجبرت نصوص الفنان " حسني أبو المعالي " التشكيلية  المتلقي ،على تأمل الجمال الروحي الكامن في تكويناته الهندسية المقترحة والمجردة لونياً ، داخل فضاءاته التصويرية ، الممتلئة بالمفردات والرموز المثيولوجية (( النخلة – الإنسان . المرأة . ألام – الطير – القيثارة – المدينة المقدسة – الوطن ...)) ، من أجل طرح أفكار ذات طابع شعري حالم ومن ثم إكسابها لغة رامزة ، تستكشف اللامعنى من المعنى . فاللون هُنا قد أصبح صوت المتلقي ، المستند إلى التأمل الذي منح الأشكال مثالية رمزية ، تجعل المرئي يتحرر من كل أصنام البعد المكاني ، باتجاه  فضاءات روحانية تتخذ من سمة التقديس رمزاً لها  .

     فحتى النص الصامت ، نجدهُ يكسب معناه من قارئه ، أي يُنظر إلى المتلقي من قبل الفنان ، كمنتج للنص ، بل وفي أغلب الأحيان يكون صانع دلالاته .. هذا الصوت ، يحمل بين ثناياه ، قيم جمالية في نتاجات الفنان " أبو المعالي " ، يعتمد على الاستعارة من المثال لا المكان ، للتأكيد على دلالة الغياب ، بدلا من دلالة الحضور ، لأجل الحوار والجوار الذي يُفعل آليات الجدل والجدلية بين  القاريء النموذجي ونتاجات الفنان القابلة للتأويل .

 

       فالمعنى يتعدد بتعدد القراءة ؛ على اعتبار أن الجسد والموت والصوت والحياة والحب والحرب والاغتراب في الوطن ... عنوانات إنسانية معرفية ، فكرية ، تنتج أسئلة الحضور والغياب ، توشحت بها أغلب نصوص الفنان " حُسني " ذات الطابع الرمزي ، الذي أقترب بها من روحانية الموسيقى التي تخفي خفاياها عبر العصور؛ حيث اتخذ اللون طابعاً رمزياً في لوحات الفنان – اللون الأبيض على وجه الخصوص – لما تحويه من أجواء أسطورية حالمة ، تُذكر المتلقي بطقوس حضارات الشرق القديمة ، عندما استعانوا بارتداء اللون الأبيض في أحزانهم بدلا من الأسود ، لتظهر قابلية الجسد على تقبل الفكرة المخادعة ، ليصبح التأمل في النهاية بداية .

سيرة ذاتية للفنان :

 

ــ حُسني أبو المعالي

ــ  العراق /  كربلاء / 1945

ــ بكالوريوس فنون تشكيلية / كلية الفنون الجميلة /  1972

ــ عضو جمعية التشكيليين ونقابة الفنانين العراقيين

ــ عضو جمعية المؤلفين والملحنين والناشرين /  sacem  / فرنسا

ـمنا ومنكم الى روح الفنان الإنسان (حسني أبو المعالي ) ، راجين من الله ان يتغمده بفسيح جناته .