Sabri_in_his_Laborotory.jpg (33772 bytes)Mahmood_Sabri_3.jpg (77867 bytes)

 

Mahmood_Sabri_M.jpg (164349 bytes)عزلة محمود صبري

حياة وفن محمود صبري ينتسبان الى عالم الرهبان. فهذا الفنان

المرهف ، الكثير الموهبة ، الموسوعي الثقافة ، ظل دائما بعيدا عن الضوء  . عصامي الى حد متطرف، وواقعي الى درجة مثيرة. حّول, مع الايام , مرسمه الى مختبر، ومكتبته الى مركز للبحوث، وبيته الى مختبر تجارب لأشد وأكثر الأفكار غرابة  .

 في بحثه الدقيق،  إختزل  هذا الزاهد حياته الى أبسط شروط المعيشة ، فهو لم يمتلك يوما مرسما  ولا مرتبا شهريا. ولوحاته ليست سلعة مرغوبة في سوق الفن ، وبيته صغير وضيق في أكثر أحياء براغ بؤسا وكآبة. وأقرب الناس اليه

لايفقهون غير الخطوط العامة لبحثه, وجميع البحوث والدراسات التي كتبت عنه ، وأكثرها أيديولوجي  ، لم تلامس حتى قشور مادته التشكيلية المضنية. فما الذي يدفع محمود صبري استمراء بحثه والاستمرار فيه ؟ وأي قوة أخرى غير قوة إيمان الراهب تلك التي تساعده على مواصلة الوجود؟

خلافا لما كتب عنه مرارا, لم يمارس صبري الرسم بشكل فطري، فقد درس الفن دراسة أكاديمية في لندن, ولكنه تمتع منذ البدء بموهبة تفوق العادة, صاحبتها ثقافة بصرية واسعة ووعي سياسي مبكر، صار مع مرور الايام عقبة أمام تطور بحثه. ولكنه أنقذه من الزوائد التزيينية . لم يرسم لوحات  يمجد بها جمال بيئته ولا ملامح الهارموني لمدينته. لقد كان إهتمامه منصبا منذ البدء على معاناة وعذاب الانسان في العراق .ولأني سليل مهاجرين، مهجرين من الريف الى هامش المدينة، فقد رأيت صورتي للمرة الأولى في لوحات محمود صبري الأولى  عن فيضانات  "خلف السدة". غير أن ذلك لم يمنع محمود صبري من الإنزلاق في مطبات الرسم السياسي ، فالكثير من لوحاته القديمة كانت تبدو وكأنها تقليد للواقعية الإشتراكية السيئة الصيت. والكراس الشهير الذي رسمه في الستينات ماهو إلا مجاراة مسرحية للفن "الإشتراكي" . ولكن حتى في هذا المنحى  القصصي، يستطيع المشاهد إن يقبض على اللمسة الخاصة لهذا الفنان الفريد : العيون السومرية الواسعة ، أخاديد الوجه التي يبدو فيها تأثير جياكوميتي واضحا ، ولمسة الأقدام والملابس العراقية الخالية من الزخرف.  في هذه الفترة نفسها أنتج صبري لوحات على قدر كبير من الرفعة ، لم يلعب التخطيط القوي الذي اشتهر به منذ بداياته الدور الأساسي لوحده , انما أخذ التلوين  حصة كبيرة في إنشاء اللوحة. إن ألوان صبري المختصرة  والمقلة ، تقتصر على ما هو أساسي. وهي التي شكلت مجد هذا الفنان الرفيع.

عكف صبري منذ وصوله الى براغ على تطوير بحثه عن (واقعية الكم). وهو بحث تشكيلي صرف يستند لنظرية علمية لا تخلو من الخلل والتبسيط أحيانا ، ولكنه بحث دؤوب ، عميق وصلب . غير أن عاهته الأولى هي في يسر استجابته للتأثير السياسي. فهو يفترض بأن فن المستقبل سينتهي بأن يكون فنا علميا يمارس في المختبر وأمام الكومبيوتر وفي غرفة التحميض. وهو رأي عميق دون شك، وقد بدأت ملامحه  في ظواهر الفن الحديث، وإستخداماته أصبحت واسعة  في الحياة اليومية. غير أنه ، لسوء الحظ ، فن خال من الروح. فن لا يلامس مشكلات الوجود وغموضه، ولا يسعى الى محاولة حلهما. ان الوجود بالنسبة للعلم ، والعلوم الاشتراكية على وجه الخصوص ، هو مادة بداياتها واضحة ونهاياتها مشخصة العوالم ، وعلى العالم أستكشاف ماتبقى من مواقع لم يسلط عليها الضوء بعد. ربما كانت هذه الفرضية صائبة ، من يدري؟ ، غير أن توظيف كل نشاطات الانسان الروحية لهذا الغرض يشبه عملية تحويل الكائنات البشرية الى آلات. ثم إن مايحير العالم خلال السنوات الاربعين الأخيرة هو تراكم الغموض وظهور المئات من الشواهد على سقوط النظريات العلمية المبرهن عليها خصوصا في مجال الفيزياء الذرية ( بريكوجين وكابرا وغيرهم ) .

لقد ظل محمود صبري مخلصا لقاعدة مادته الماركسية دون أن يخضعها يوما للشك . وهو أمر يثير العجب والاعجاب في آن معا. لذلك فان عزلته، وهي عزلة لا مخارج فيها، قد أصبحت سبب وجوده والمحرك الأساسي لطاقته.

يتساءل البروفيسور جيرار لو كوات الذي أشرف على بحث رسالة الماجستير الذي خصصته عن الفنان ( جامعة لوزان 1986) , وفي مقالة له نشرت في العدد الأول من مجلة "الفنون الجميلة" (شتاء 1987) : " هل سيحتفل بصبري في القرن الثالث والعشرين وكأنه (جيوتو) هذا العصر الجديد؟ السؤال يظل بلا اجابة بالطبع , ولكن هذه "الواقعية المضخمة" تثير الدهشة حقا, اذ ليس هنالك مكان فيها للفطرة ولا للتخيل والذات ولا للايهام. وتنطوي على حب حميمي للعناصر ودينامية تحولها , حب للطاقة الحية التي ليست هي سوى الصورة المتخيلة للكون عند الاقدمين, ولكنها هنا متوغلة وراسخة في الواقع . وفي هذا الاطار يمكننا الحديث عن الزهد والصوفية , رغم ان تصريحات صبري تنفي هذه الصفة , ولكن المنحى الديني واضح فيها . ثم ان الاواصر بين التراث البصري الاسلامي الذي ينتمي اليه الفنان تأتي على الفور الى الذاكرة حين نشاهد أعماله , وهذا التراث البصري التجريدي يأخذ هنابعدا ابستمولوجيا جديدا . يبدو ان الايغال في النظر الى الامام وصلته بالجذور الثقافية للفرد , تلتقي احيانا بطريقة تثير العجب".

ولد محمود صبري عام 1927. كان عضوا في مجموعة (الرواد) . بحوثه عن واقعية الكم جمعها في كتابه الممتاز ( الفن والانسان).

إن فكرة إنشاء متحف مرتقب لمحمود صبري يمكن  تخيلها بهذا الشكل : ينبغي أن يكون المتحف مظلما بلا نوافذ، وأن توضع اللوحات فيه بلا ترتيب زمني، ويقوم الزائر برؤية الاعمال على ضوء فانوس أو لالة ، هذا المشهد يمكن أن يعبر ببساطة عن روحية هذا الفنان المثابر, عن عمق عزلته وعن صفة الراهب التي لم تفارق شخصيته.

 

سعيد فرحان

هذه مقدمة لكتاب (عزلة محمود صبري ) .القارئ يجد في القسم الفرنسي تفصيلا أكثر عن.  واقعية الكم ، وبحثا مفصلا منشورا في مجلة (إيكال) السويسرية لكاتب هذه السطور.