|
يحيىالشيخ
al_sheikh2001@hotmail.com
 |
|
شيلي
1975
|
أنجب
الفن العراقي الحديث في مطلع الخمسينات من
القرن العشرين مجموعة أعمال ابداعية كبيرة
ذات سمات جمالية جديدة تميزت بانتمائها
الجذري لتاريخ العراق, وارتباطها الصريح
بتطوره. نضجت جمالياتها بفعل نهوض و تطور
المجتمع العراقي آنذاك والغنى الثقافي
الذي وصل اليه الفنانون وأقطاب الحركة
الفنية الفاعلة بالخصوص. في تلك الفترة عاد
الى الوطن بعد اكمال دراسته في أوربا العدد
الأكبر من الفنانين المبدعين ( جواد سليم,
اسماعيل الشيخلي, محمود صبري, شاكر حسن آل
سعيد, خالد الجادر, عطا صبري وآخرون ) سبقهم
فائق حسن في العودة قبيل الحرب . عادوا
يحملون ما صادفهم من غنائم الفن وما
اكتنزوه من خبرة ومعرفة كانت مشبعة
بالنزعة الانسانية التي ارتفعت مناسيبها
بعد الحرب العالمية الثانية. وبحمية راح كل
واحد منهم يختبرحريتة في الرسم وفي الحياة
اليومية العملية يحدوهم احساس بندرة ما
يفعلونه وبأهميته. قدموا على تلك المغامرة
بخبرات مكتسبة لا تتعدى سنوات الدراسة
التي تنتمي في منهجها الى ثقافة لا تمت لهم
بصلة," فتعددت امامهم سبل البحث"
وتقاطعت مع بعضها البعض, وحيرتهم . يقول
عنها محمود صبري.... ( بالنسبة لهذه الفترة
كثير من المادة المهمة هي ذكريات عن
النقاشات والعركات التي دارت في حينه حول
مختلف جوانب الفن خلال الكعدات وسفرات
الفنانين )(1)
كان رحم المجتمع العراقي يشهد بعنف
مخاضات متتالية: مظاهرات, اضرابات,
انتفاضات ودماء, برامج اجتماعية من طراز
جديد, أحزاب طبقية وافكار جميلة ورومانسية
عن المستقبل..فتبدت النزعة الثورية
الوطنية بوضوح في اطار المجتمع العراقي
وفي مرآة الثقافة العراقية والفن تحديدا,
والتي انضوت تحت رايتها اجيال مختلفة من
الفنانين العراقين رافق ابداعهم تطور
الحركة الاجتماعية, فحمل نتاجهم في جوهره (
بذور الكفاح الايجابي لايديولوجيا الشعوب
المكافحة..) (2)
لكنه في ظاهره لم ينج من شكلانية الفن
الأوربي التي أصابت عوده وكيفت طبيعته في
السنين اللاحقة.
الى جانب طبيعة المجتمع العراقي ساهمت
تركيبة الفنانين الثقافية في صياغة
الاتجاهات المعاصرة في الفن العراقي الذي
شق طريقه على شكل تيارين سارا موازيان في
ظاهرهما ومتلاقيان في جوهرهما بدرجة
تأثرهما بالنزعة الشكلية السائدة في اوربا.
|

|
|
تخطيط
بالفحم
|
اتجه التيارالاول نحو التقاليد الفنية
المتوارثة وتميز بتاثره الواضح باشكال
فنون آشور وسومر والفنون الاسلامية
والموروث الشعبي وبمضامين الأساطير
والحكايات الشعبية ,وقد مثلت هذا التيار (
جماعة بغداد للفن الحديث ) متمثلة بعرابها
جواد سليم فهي
عملت طيلة فترة نشاطها على تأسيس وتعميق
محتواه الفكري وصياغة مفرداته التشكيلية
التي راجت في مراسم الفنانين وفي السوق على
حد سواء. لم يكن
هذا التيار متجانسا بفعل لبراليتة غير
المحدودة فبعض ( البغداديين ) تعامل مع
جماليات الموروث الشعبي بصفتها جزءا من
حركة اجتماعية لها بعدا تاريخيا يمتد في
الحاضر ووجدانا فاعلا ومؤشرا من مؤشرات
الاصالة القومية, كما كان لدى رائد هذا
التيار : جواد سليم, فيما راح البعض الآخر
يصعد الموروث الشعبي الى مستوى الرمز
الغامض حتى درجات التجريد..أو يتعامل مع
هذه الجماليات بشكلية افقدتها تاريخها
والفتها فتحولت
بحد ذاتها الى موضوع مستقل بعيد عن الحياة
والواقع ,انما لا يشك احد ان هذا التيار حمل
, وبامانة, شأن جماليات الموروث ومثله
الثقافية ودافع عنها تاريخيا. (3)
أما التيار الثاني فيكشف نفسه في جملة
أعمال فناني( جماعة الرواد) اضافة الى فنانين لم
يجذبهم مناخ الجماعات الفنية أمثال خالد الجادر . تكمن
أبرز خصائص هذا التيار الجمالية بتصويره
البيئة العراقية وتصعيده للواقع
الاجتماعي باعتبارهما موضوعا الجمال
الأكثر غنا في الحياة. لقد كان مليئا
بالثقة بالانسان وبالحركة الاجتماعية.
ان الأعمال التي خلفها لنا فنانو هذا
التيار تعكس مدى تعدد أوجه المعرفة لواقع الحياة الشعبية /
حياة الكدح بالذات / لهذا ابتعدت أعمالهم
عن تصوير الحالات المحايدة, الا ما ندر, بل
صورت الناس بمجموعاتهم الكبيرة.. طبقات
اجتماعية تواجه واقعها اليومي وتستمد منه
دلالتها. كانت أعمالهم مليئة بالشخوص,
والنماذج الشعبية المألوفة والنادرة في
نفس الوقت. وبدلا من الشناشيل التي أكثر في
رسمها (البغداديون
) راح ( الرواد ) يرسمون البيوت الشعبية
مكتظة بالجوع
لقد رسموا الحياة
بسعتها لا باعتبارها مناظر للطبيعة, انما
واقعا ملونا بالحرمان , لقد رسموا الناس لا
كحالات فردية , انما نماذج تاريخية تمثل
حركة اجتماعية في مرحلتها التاريخية
المحددة... رسموهم في زحمة العمل , في
علاقاتهم مع الطبيعة ومع بعضهم البعض
بعيدا عن التزويق.
على الرغم من هذا التمايز بين
التيارين الا أنهما كثيرا ما تقاطعا
واختلطت مشاربهما .
 |
|
الشهيد |
في أوربا , الى جانب النزعة الشكلية
التي استشرت في جسد الفن, كانت حركة الفن
الثوري الطليعي تقترب اكثر فأكثر من وجود
ومستقبل الناس, ففي فرنسا والمانيا
وايطاليا وبريطانيا وغيرها من دول اوربا
نهضت حركة الفن الطليعي لمواجة الخراب
الروحي والفكري الذي خلفته الحرب.
قضى محمود صبري سنوات دراسته في
بريطانيا الى جوار هذه الحركة , ومنها تعلم
رسم الحياة الانسانية, وشروط الرسم الذي
يرى في الانسان محور الصراع التاريخي. عاد
الى العراق عام 1950 وفي قلبه الشاب خفقان لم
تألفه غير قلوب الثوريين, وفي رأسه حكمة
العصر: الماركسية. منذ البداية اختار محمود
مكانه في قطب الرحى ممتلكا ما يعينه على
غربلة الواقع وسبر أغوار الرسم: حسا فنيا
مرهفا اعتنى به بعيدا عن هواء المراسم
التقليدية, ومنهجا فكريا برهنت الحياة على
صواب رؤيته.
هل تضيف لمحمود صبري شيئا, حقيقة
انه (درس الرسم شخصيا) تلك العبارة
المقتضبة التي دونت في سيرة الفنان في
المطبوعات الرسمية؟؟ أعتقد ان فيها ما
يستحق التقليب على أكثر من جانب. أولها: ان
الفنان كان حرا في اختيار الطريق قبل عودته
الى العراق. ليس بمعنى أنه خلق اسلوبه من لا
شيء, انما نضجت أدواته ورؤياه بقدر ما كانت
تنسجم وقناعاته الفكرية ومزاجه الروحي ...انها
اسطورته الداخلية التي اعتنى بطقوسها,
وحكمته في الحياة. ان محمود صبري واحد من
القلائل جدا, ان لم يكن الوحيد, الذي نسج
اسلوبه من خامة ذاته ومن ذات المجتع على
نول الواقع التاريخي وعلى ايقاع شروطه.
فيما عاد معظم الفنانين العراقيين من
اوربا وقد أسلموا مراكبهم للرياح المتأخرة
للانطباعية والتكعيبية والسريالية, عاد
محمود صبري يمسك بأبجدية الواقعية الثورية
ومعاييرها الجمالية.
كيف استطاع محمود صبري أن يصهر
شخصيات تملك من الحضور ما لم يستطع بشر من
لحم ودم أن يملكوه؟ ومن اي معدن؟ وكيف
تمكنت هذه أن تحافظ على بريقها وطيف
تأثيرها الواسع طيلة السنين فيما أخفق
الذهب في ذلك؟....انها بوتقة التاريخ وأسرار
محمود صبري الجمالية ولا ريب !!!
 |
|
الجزائر
, زيت على قماش 200/150 سم 1956
|
لعل في ما كتبه الفنان اضاءة
للسؤال ولعلامات التعجب أيضا ( لقد تطلعت
دائما في فني نحو المتناقضات التي تكتنف
مجتمعنا مستهدفا بذلك التعبير عن الثورة
التي كانت تجيش في نفوس الأفراد, والتي كنت
أحس بها شخصيا ..لقد كان الصراع صفة ملازمة
لمجتمعنا, في كل شيء, في وجوه الجماهير
الشعبية, وفي الأغاني الحزينة, وفي المزارع
والسهول والصحارى, وفي الهواء والماء. لقد
كان من المستحيل على الفرد أن يحس ببهجة
الريف وغنائيته حتى في الربيع الزاهر لان
هياكل الأطفال وبؤس الفلاحين كانت تضفي
على الريف تعاسة أزلية. لقد كان من
المستحيل أيضا أن نتجنب الثورة الاجتماعية
في أعمالنا الفنية لأن الجماهير كانت
تتطلع دوما وبثبات نحو التحرر والانعتاق.
انني كفنان ثوري لم آت بشيء جديد مطلقا. لقد
كنت مجرد مرآة عكست روح هذا المجتمع
المناضل )(4)
لقد وجدت هذه الأفكار
صورتها الدقيقة في أعماله التي رسمها في
سني الصراع الدامي مصورا فيها حياة
الفلاحين المأساوية وانتفاضاتهم,
والمظاهرات الشعبية في المدن والصدام
الدموي للفقراء مع السلطة الرجعية. لوحاته
(دفن الشهيد) المتعددة الشخوص, (الشهيد) و (موت
طفل) التي رسمها في عام 1950 , تذكرنا
بالأحداث المأساوية للحياة وتكشف مسرحا
لأشكال صلدة أصيلة ذات مرؤة فائضة حتى لكأن
المشاهد يسمع صراخ الأمهات والأرامل يختلط
بصوت المظاهرات الهادر.
عاد محمود صبري الى العراق في
فترة كان الشعب هو البطل الأكثر وضوحا على
مسرح التاريخ العراقي, فانطوت لوحاته على
جمهرة من الأشكال الانسانية. فأعماله
عبارة عن جموع يضيق بها فضاء اللوحة فتوشك
أن تفيض من اطارها. حياة مكتظة بالحركة
وقودها أجساد يابسة وجوع.
التفت محمود صبري الى عالم جرده
الفقر من كل مغريات الدنيا,
يابس, خشن
وقاسي جدا. عالم تراصفت فيه حيوات متشابهة
ومنسجمة في مصيرها ينظمها خيط الثورة
مدبوغا بالدم. أن "اناسه" يثلمهم
الجوع
في أكثر من
موضع.
تعددت زوايا نظر الفنان الى
مستويات الواقع البشري الذي تسمر في
وجدانه وعقله, وهذا ما تشي به لوحاته في
الخمسينات, ولتصعيد الشعور الى مستوى
ديناميكية مأساة هذا الواقع اختار الفنان
التضاد اللوني , واختزل الوانه مكتفيا
بالأسود والأبيض وبعض من تراب محروق ...
بلاغة تشكيلية ندرت تماما في الفن العراقي
الذي كان يرى في اللوحة كرنفال ألوان
واستعراض لمهارات, أو ولاء لسوق. الخلفية
في صوره معتمة, مليئة بالنذر, سماء ملبدة
بالدخان تهدد بالرعود, أو بيضاء ناصعة
كالوهج. لوحات محمود صبري تحتفي بشظف لوني
هو قرين لفن الكرافيك بعينه.
 |
|
دفن الشهيد 1950 – مقطع |
في عمله الملحمي (دفن الشهيد)
تنتصب مجموعة المشيعين مثل حائط منحوت/ صنو
لجدارية آشورية/ تلتحم الأشكال,"
والأبطال" يبدون متشابهين من بعيد لا
يفرقهم عن بعضهم الا درجات الغضب أو الأسى
الذي عفر وجوههم الملفوحة بالشمس والجوع.
في اللوحة تسير مجموعة المشيعين بحركة
جنائزية مهيبة وهي تحمل نعش الشهيد: مكشوف
الوجه ومعروضا للجميع حقيقة لا مراء فيها,
بليغة الدلالة, سهلة الادراك. في الوسط
مجموعة النساء تمسك الواحدة بالاخرى
باوضاع مختلفة, واخريات يحتضن أطفالهن,
وأطفال مفجوعون بالحدث يلتمع في وسطهم طفل
بلون أبيض مصفر كما لو كان فانوسا في مقتبل
اشتعاله. ضوء ينمو في مسيرة حالكة المأساة.
يذكرنا (بطفلة) رامبرانت في لوحته (العسس).
الهيئات الآدمية متعاقبة في
مسيرتها تشبه الهيئات في اللوحات الآشورية,
مصورين بوضع جانبي يتقدم الواحد الآخر
باتجاه واحد. لا تعارض بين حركة واخرى
جميعها تبدأ من الحركة الأولى ثم تتصاعد
بتآلف درامي حاد يحدوها نغم داخلي يناهض
الصمت بعيون تقدح شررا وأفواه مزمومة
كاظمة للغيظ. و بفعل لجاجة الثورة في
أعماله يأخذ تكرارها هيئة جديدة في كل عمل
وأبطال جدد تشتبه بهم اذا ما ضيّعت نفسك في
حارة شعبية, فهو أنشأ اسطورته
الثورية على هيئة تهتدي اليها في وجوه
العراقيين وتاريخهم.
طغت المأساة على أغلب لوحات
محمود صبري, فأبطاله تتقاذفهم هموم داخلية
تفيض من عيونهم حزنا ثقيلا..حتى في حياتهم
العادية, كما في لوحة (أم وطفل -1950) , (فتاة-1950)
و (عائلة فلاح-1950) ملامحهم كئيبة يؤطرها
الخوف . ألام في لوحة (أم وطفل)
تحتضن طفلها
وهي غارقة بحزن لا قرار له بينما يرفع
الطفل عينيه اليها متسائلا عن ما يشغلها
عنه. اللوحة تشيّع احساسا بلحظات أخيرة قبل
الوداع, تفوح منها رائحة دموع توشك على
الانهمار. أن قوة أبطال محمود صبري في
صمتهم..صمت ثقيل كالرصاص وشفاف كالحب. صمت
يقظ وغائب في الأعماق مثل قطعة سلاح باردة
محشوة بالبارود.
بالرغم من
الأسى والحزن الذي يغلف أعماله, فأن أبطاله
يواجهون مصائرهم بصدور عارية وصلابة
جسدتها قدرة الفنان على رسم تفاصيل الوجوه
والأيدي المتشنجة. انها تتكر لديه : أياد
مقبوضة مشدودة الأعصاب, وسواعد مرفوعة بدل
الرايات تشطر فضاء اللوحة وتفتت سكون
المشاهد وتنثر حقائق الحياة عند قدميه.
أبطاله
 |
| عائلة 1952 |
سومريون ذوو
عيون كحيلة مفتوحة كالمستقبل لكل شيء, خدود
غائرة, وشفاه جف عليها الكلام تمنح الرائي
شرف مشاهدتها وهي تقوم بصناعة التاريخ.
انهم شغوفون بالنضال لا وقت لديهم للراحة,
نحيفون كقصب الأهوار ذوو خطوط خارجية حادة
سنت بحجر خشن, تجرح الخلفية بحقيقة وجودها.
" أطفاله " لا يلعبون كاطفال الدنيا !
فهم أما غرقى أو مفجوعون, أو جياع "
يندفهم قوس الفقر " (5) في
قلب الصراع التاريخي. " نساؤه " لا
يقمن ليلة الحنة, ولا يتمتعن بالقيلولة
مشغولات عن انوثتهن بالمظاهرات والزغاريد
وتشيع الأبناء البررة.
اعتنى محمود صبري كثيرا
بدراسة الملابس الشعبية وحوّلها الى
قيم تشكيلية
جسدت الى حد بعيد شخصية المرأة الشعبية
وقدمت نماذج ديناميكية لحركة الجسد البشري.
ملابس النساء الشعبيات, الفلاحات
بالذات,
تحولت في أعماله الى كتل صلبة خدمت قصديته
في بناء الأجساد وكشف الحالات النفسية
لبطلاته: فولاذ سقته الحياة بما فاض من
فواجع. لقد امتحن الفنان أجساد أبطاله
بالجوع والعري, فهي كلما كشفت عن عظامها
مستنفدة طاقتها التراجيدية, كلما أضحت
أعمق تعبيرا وأكثر افصاحا عن الافق الذي
ترين اليه.
|

|
|
ام وطفل 1950 |
محمود صبري كان, ثوريا,
وفنانا تعبيريا لا يضاهى. فكل ما رسمه خلال
الأثني عشر عاما , من 1950 وحتى مغادرته
العراق في1962, هو عبارة عن سيرة ذاتية
لفتيان ثوريين يزمجرون بوجه الشرطة, ونساء
تزغردن يقدن جحافل الرجال في المظاهرات,
وفلاحون ينتشلون ابنائهم غرقى من الأنهار
الغادرة, وصراخ يمتحن أعماق الصمت, كما وضع
شروطا بديهية للرسم العراقي, ومعايير
تاريخية جديدة للجمال, واسس منهجا ماديا
متماسكا في النقد الفني.(7)
بعد
الانقلاب الفاشي في شباط 1963 واجه أبطال
محمود صبري حقائق جديدة, نفسها القديمة
انما بوجه جديد. أبطاله قبل هذا التاريخ
الأسود كانوا يستشهدون في الشوارع وسط
الجموع , تحت سماء مشمسة, أما بعده فكانوا
يقتلون غيلة على انفراد في الزنزانات.
في ( مقاطع وثائقية من
المحاكمات )
(6) تلك المجموعة الساحرة من التخطيطات
التي رسمها في موسكو بعد ان تيقن أنه قد فقد
رفاقه وأصدقاءه/أبطاله في الواقع/ تأكدت
لدى محمود ليس فقط الحقائق التي كان يعرفها
ويخافها في نفس الوقت , انما تأكدت لديه
أيضا الطريقة التي رسم بها تلك الحقائق,
والتي دأب عليها منذ البداية.
 |
|
لوحة جدارية
كان من المزمع وضعها في الجهة الخلفية
لنصب الحرية, 1959 |
في مجموعته هذه رسم الفنان
أبطالا منفردين يثبتون في انفرادهم
وتفردهم بعضا من أوجه الحياة التي كافحوا
من أجلها. هم أنفسهم الذين حملوا ( جنازة
الشهيد ) لكنهم هذه المرة جاءوا يمهرون
تاريخهم الخاص بالخلود. أما بالنسبة لنا
فهم قد ختموا بأسمائهم تاريخ الرومانسية
الثورية في السياسة والثقافة على حد سواء.
أما بالنسبة للفنان ذاته , فأن هذه
المجموعة هي خاتمة لاسلوب على درجة عالية
من الانسجام ووضوح الرؤيا ندر وجوده في
تاريخ الفن العراقي الحديث.
هوامش
المقالة كتبت في موسكو 1983 وكانت جزء
من اطروحة الدكتورا بعنوان( الصراع الفكري
في الفن العراقي الحديث) نشرت في "
الثقافة الجديدة", دمشق 1984
1. من
رسالة شخصية الى الكاتب.
2. محمود
صبري, الفن بين عهدين, الثقافة الجديدة, عدد
4 بغداد 1959
3. يمكن
العودة الى مقالة الكاتب
(جواد سليم : ابداع مؤطر بالحياة
وتفاصيل البلاد) الثقافة الجديدة, دمشق 1987
4. مجلة
المثقف , لقاء مع محمود صبري, عدد 2 , بغداد
1958
5. نوري
الراوي, التنوير الأول, آفاق عربية , عدد 1
السنة السابعة, بغداد, أيلول 1981
6. سلسلة
من عشرة أعمال تخطيطية متوسطة الحجم.عام 1982
زرت البيت الذي قطنه محمود صبري , لدى عائلة
روسية, في موسكو وشاهدت عشرات التخطيطات
والدراسات الأولية لهذه ( الوثائق) , وعدد
من اللوحات بالألوان المائية وبالحبر
الصيني.
7. تعد
كتابات محمود صبري المبكرة في النقد التي
تميزت بدراستها لواقع المجتمع العرقي
وشروط التاريخية, اهم قاعدة نظرية للنقد
الجمالي, ومنها:مشكلة الفنان العراقي,
العوامل التي تكيف وتوجه انتاجه. المنشورة
في عام 1954 . والفن الراقي بين عهدين,
المنشورة عام 1959 . ودراسته المهمة ..الفن
والانسان .
|